تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 863

مساهمون:

ص٨٦٣
به . وأنه هو الذي أهلكهم . وقد قال في الظانين به ظن السوء :
عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً
[ الفتح : 6 ] ولم يجئ مثل هذا الوعيد في غير من ظن السوء به سبحانه . وجحد صفاته وإنكار حقائق أسمائه : من أعظم ظن السوء به . ولما كان أحب الأشياء إليه : حمده ومدحه ، والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله : كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به . وهو شر من الشرك . فالمعطل شر من المشرك . فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه والطعن في أوصافه هو ، والتشريك بينه وبين غيره في الملك . فالمعطلون أعداء الرسل بالذات . بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل . فإنه لولا تعطيل كماله - أو بعضه - وظن السوء به : لما أشرك به ، كما قال إمام الحنفاء وأهل التوحيد لقومه :
أَ إِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ( 86 ) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ
( 87 ) [ الصّافات : 86 ، 87 ] أي فما ظنكم به : أن يجازيكم ، وقد عبدتم معه غيره ؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء ؟ أظننتم : أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان ؟ أم ظننتم : أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده ، حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك ؟ أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم ؟ أم هو قاس ، فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده ؟ أم ذليل ، فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ، ويتعزّز به من الذّلة ؟ أم يحتاج إلى الولد ، فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه ؟ تعالى اللّه عن ذلك كله علوا كبيرا . والمقصود : أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه . فلا تجد معطلا إلا وشركه على حسب تعطيله . فمستقل ومستكثر . والرسل من أولهم إلى خاتمهم - صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين - أرسلوا بالدعوة إلى اللّه . وبيان الطريق الموصل إليه . وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه . فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل ملّة على لسان كل رسول . فعرّفوا الرب المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفا مفصلا ، حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه . وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه ، يكلم ملائكته ، ويدبر أمر مملكته ، ويسمع أصوات خلقه ، ويرى أفعالهم وحركاتهم . ويشاهد بواطنهم ، كما يشاهد ظواهرهم ، يأمر وينهى . ويرضى ويغضب . ويحب ويسخط . ويضحك من قنوطهم وقرب غيره . ويجيب دعوة مضطرهم . ويغيث ملهوفهم . ويعين محتاجهم . ويجبر كسيرهم . ويغني فقيرهم . ويميت ويحيي . ويمنع ويعطي . يؤتي الحكمة من يشاء . مالك الملك . يؤتي الملك من يشاء . وينزع الملك ممن يشاء . ويعز من يشاء . ويذل من يشاء . بيده الخير . وهو على كل شيء قدير . كل يوم هو في شأن . يغفر ذنبا . ويفرج كربا . ويفك عانيا . وينصر مظلوما . ويقصم ظالما . ويرحم مسكينا . ويغيث ملهوفا . ويسوق الأقدار إلى مواقيتها . ويجريها على نظامها . ويقدم ما يشاء تقديمه . ويؤخر ما يشاء تأخيره فأزمّة الأمور كلها بيده . ومدار تدبير الممالك كلها عليه . وهذا مقصود الدعوة ، وزبدة الرسالة . القاعدة الثانية : تعريفهم بالطريق الموصل إليه . وهو صراطه المستقيم ، الذي نصبه لرسله وأتباعهم . وهو امتثال أمره ، واجتناب نهيه ، والإيمان بوعده ووعيده . القاعدة الثالثة : تعريف الحال بعد الوصول . وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار . وما قبل ذلك من الحساب ، والحوض والميزان والصراط .