قلت : الفرق بين « الصفة » و « النعت » من وجوه ثلاثة :
أحدها : أن « النعت » يكون بالأفعال التي تتجدد . كقوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
[ الأعراف : 54 ] الآية وقوله :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ
[ الزخرف : 10 - 12 ] ونظائر ذلك .
و « الصفة » هي الأمور الثابتة اللازمة للذات . كقوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ( 22 ) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ
- إلى قوله -
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ الحشر : 22 - 24 ] ونظائر ذلك .
الفرق الثاني : أن الصفات الذاتية يطلق عليها اسم النعوت . كالوجه واليدين ، والقدم ، والأصابع . وتسمى صفات . وقد أطلق عليها السلف هذا الاسم . وكذلك متكلمو أهل الإثبات ، سموها صفات . وأنكر بعضهم هذه التسمية . كأبي الوفاء بن عقيل وغيره . وقال : لا ينبغي أن يقال : نصوص الصفات . بل آيات الإضافات . لأن الحي لا يوصف بيده ولا وجهه . فإن ذلك هو الموصوف . فكيف تسمى صفة ؟ .
وأيضا : فالصفة معنى يعم الموصوف . فلا يكون الوجه واليد صفة .
والتحقيق : أن هذا نزاع لفظي في التسمية . فالمقصود : إطلاق هذه الإضافات عليه سبحانه ، ونسبتها إليه ، والإخبار عنه بها ، منزهة عن التمثيل والتعطيل ، سواء سميت صفات أو لم تسمّ .
الفرق الثالث : أن النعوت ما يظهر من الصفات ويشتهر . ويعرفه الخاص والعام .
والصفات : أعم . فالفرق بين « النعت » و « الصفة » فرق ما بين الخاص والعام . ومنه قولهم في تحلية الشيء : نعته كذا وكذا . لما يظهر من صفاته .
وقيل : هما لغتان . لا فرق بينهما . ولهذا يقول نحاة البصرة « باب الصفة » ويقول نحاة الكوفة « باب النعت » والمراد واحد . والأمر قريب . ونحن في غير هذا . فلنرجع إلى المقصود .
وهو : أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة - بل ولا في الإيمان - حتى يؤمن بصفات الرب جل جلاله ، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه . فالإيمان بالصفات وتعرّفها : هو أساس الإسلام ، وقاعدة الإيمان ، وثمرة شجرة الإحسان . فمن جحد الصفات « 1 » فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان ، فضلا عن أن يكون من أهل العرفان . وقد جعل اللّه سبحانه منكر صفاته مسيء الظن به . وتوعده بما لم يتوعد به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر . فقال تعالى :
وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 23 ) [ فصّلت : 22 ، 23 ] فأخبر سبحانه : أن إنكارهم هذه الصفة من صفاته : من سوء ظنهم
هامش
( 1 ) بل من جهلها ، وإن زعم أنه يقربها ولا ويجحدها .