على العبد ، فقابلها بالإساءة والعصيان : كانت عقوبته أعظم . فدرجته أعلى وعقوبته أشد .
وقال أيضا : ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة . فكيف عند أبناء الدنيا ؟
يريد : أنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أهلها . سواء كانوا عبادا ، أو من أبناء الدنيا .
وقال أبو سعيد : المعرفة تأتي من عين الوجود . وبذل المجهود . وهذا كلام حسن . يشير إلى أن المعرفة ثمرة بذل المجهود في الأعمال ، وتحقق الوجد في الأحوال . فهي ثمرة عمل الجوارح . وحال القلب لا ينال بمجرد العلم والبحث . فمن ليس له عمل ولا حال فلا معرفة له .
وسئل ذو النون عن العارف ؟ فقال : كان هاهنا فذهب .
فسئل الجنيد عما أراد بكلامه هذا ؟ فقال : لا يحصره حال عن حال ، ولا يحجبه منزل عن التنقل في المنازل . فهو مع كل أهل منزل بمثل الذي هم فيه . يجد مثل الذي يجدون . وينطق بمعالمها لينتفعوا .
وقال محمد بن الفضل : المعرفة حياة القلب مع اللّه .
وسئل أبو سعيد : هل يصل العارف إلى حال يجفو عليه البكاء ؟ فقال : نعم . إنما البكاء في أوقات سيرهم إلى اللّه . فإذا نزلوا بحقائق القرب ، وذاقوا طعم الوصول من بره : زال عنهم ذلك .
وقال بعض السلف : نوم العارف يقظة ، وأنفاسه تسبيح ، ونوم العارف أفضل من صلاة الغافل .
وإنما كان نوم العارف يقظة : لأن قلبه حي . فعيناه تنامان . وروحه ساجدة تحت العرش بين يدي ربها وفاطرها . جسده في الفرش . وقلبه حول العرش . وإنما كان نومه أفضل من صلاة الغافل : لأن بدن الغافل واقف في الصلاة ، وقلبه يسبح في حشوش الدنيا والأماني . ولذلك كانت يقظته نوم . لأن قلبه موات .
وقيل : مجالسة العارف تدعوك من ست إلى ست : من الشك إلى اليقين . ومن الرياء إلى الإخلاص . ومن الغفلة إلى الذكر . ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة . ومن الكبر إلى التواضع . ومن سوء الطوية إلى النصيحة « 1 » .
درجات المعرفة
قال صاحب المنازل : « المعرفة على ثلاث درجات . والخلق فيها على ثلاث فرق . الدرجة الأولى : معرفة الصفات والنعوت . وقد وردت أساميها بالرسالة . وظهرت شواهدها في الصنعة :
بتبصر النور القائم في السر ، وطيب حياة العقل لزرع الفكر . وحياة القلب : بحسن النظر بين التعظيم ، وحسن الاعتبار . وهي معرفة العامة التي لا تنعقد شرائط اليقين إلا بها .
وهي على ثلاثة أركان : إثبات الصفات باسمها من غير تشبيه . ونفي التشبيه عنها من غير تعطيل . والإياس من إدراك كنهها ، وابتغاء تأويلها » .
هامش
( 1 ) هذا عارف المؤمنين المتقين الصابرين الشاكرين ، الذين عرفوا ربهم بأسمائه وصفاته ، وسننه وآياته . أما عارف الصوفية : فأبعد الناس عن ذلك . لأنه ما عرف إلا وهما وخيالا مما أوحى إليه شياطين الإنس والجن . فمجالسته في حلقات رقصهم لاستماع أشعار ابن عربي وأبي يزيد والطائفة : تدعو إلى الشك والرياء والغفلة وعبادة الدنيا والكبر وخبث الطوية .