وقال يحيى بن معاذ : العارف كائن بائن . وهذا يفسر على وجوه :
منها : أنه كائن مع الخلق بظاهره . بائن عنهم بسره وقلبه .
ومنها : أنه كائن بربه بائن عن نفسه .
ومنها : أنه كائن مع أبناء الآخرة ، بائن عن أبناء الدنيا .
ومنها : أنه كائن مع اللّه بموافقته . بائن عن الناس في مخالفته .
ومنها : أنه داخل في الأشياء خارج منها . فإن من الناس من هو داخل فيها لا يقدر على الخروج منها . ومنهم من هو خارج عنها لا يقدر على الدخول فيها . والعارف داخل فيها خارج منها . ولعل هذا أحسن الوجوه .
وقال ذو النون : علامة العارف ثلاثة : لا يطفئ نور معرفته نور ورعه . ولا يعتقد باطنا من العلم ينقضه عليه ظاهر من الحكم . ولا تحمله كثرة نعم اللّه على هتك أستار محارم اللّه .
وهذا من أحسن الكلام الذي قيل في المعرفة . وهو محتاج إلى شرح . فإن كثيرا من الناس يرى أن التورع عن الأشياء من قلة المعرفة . فإن المعرفة متسعة الأكناف ، واسعة الأرجاء .
فالعارف واسع موسع . والسعة تطفئ نور الورع . فالعارف لا تنقص معرفته ورعه . ولا يخالف ورعه معرفته . كما قال بعضهم « 1 » : العارف لا ينكر منكرا ، لاستبصاره بسر اللّه في القدر . فعنده :
أن مشاهدة القدر والحقيقة الكونية : هو غاية المعرفة . وإذا شاهد الحقيقة عذر الخليقة . لأنهم مأسورون في قبضة القدر . فمن يعذر أصحاب الكبائر والجرائم ، بل أرباب الكفر فهو أبعد خلق اللّه عن الورع . بل ظلام معرفته قد أطفأ نور إيمانه « 2 » .
قوله : « باطن العلم الذي ينقضه ظاهر الحكم » فإنه يشير به إلى ما عليه المنحرفون ، ممن ينسب إلى السلوك . فإنهم يقع لهم أذواق ومواجيد ، وواردات تخالف الحكم الشرعي . وتكون تلك معلومة لهم لا يمكنهم جحدها . فيعتقدونها ويتركون بها ظاهر الحكم . وهذا كثير جدا .
وهو الذي انتقد أئمة الطريق على هؤلاء . وصاحوا بهم من كل ناحية . وبدّعوهم وضللوهم به .
قوله : « ولا تحمله كثرة نعم اللّه على هتك أستار محارم اللّه » كثرة النعم تطغي العبد ، وتحمله على أن يصرفها في وجوهها وغير وجوهها . وهي تدعو إلى أن يتناول العبد بها ما حل وما لا يحل . وأكثر المنعم عليهم لا يقتصرون في صرف النعمة على القدر الحلال . بل يتعداه إلى غيره ، وتسوّل له نفسه أن معرفته باللّه ترد عليه ما انتهبته منهم أيدي الشهوات والمخالفات .
ويقول : العارف لا تضره الذنوب ، كما تضر الجاهل . وربما يسوّل له أن ذنوبه خير من طاعات الجهال . وهذا من أعظم المكر . والأمر بضد ذلك . فيحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العارف ، وإذا عوقب الجاهل ضعفا عوقب العارف ضعفين . وقد دل على هذا شرع اللّه وقدره .
ولهذا كانت عقوبة الحرّ في الحدود مثلي عقوبة العبد . وقال تعالى في نساء النبي صلى اللّه عليه وسلم :
يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ
[ الأحزاب : 30 ] فإذا أكملت النعمة
هامش
( 1 ) بهامش الأصل . أي بعض الملاحدة القائلين بوحدة الوجود . أعاذنا اللّه من الزيغ والضلال .
( 2 ) الأولى أن يقال : ظلام جاهليته قد دل على أنه قد أطفأ نور الفطرة .