بماذا نعرف ربنا ؟ قال : بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه . فأتى عبد اللّه بأصل المعرفة التي لا يصح لأحد معرفة ولا إقرار باللّه سبحانه إلا به . وهو المباينة والعلو على العرش .
ومن علامات العارف : أن يعتزل الخلق بينه وبين اللّه ، حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياتا ولا نشورا ، ويعتزل نفسه بينه وبين الخلق ، حتى يكون بينهم بلا نفس . وهذا معنى قول من قال : العارف يقطع الطريق بخطوتين : خطوة عن نفسه ، وخطوة عن الخلق .
وقيل : العارف ابن وقته ، وهذا من أحسن الكلام وأخصره ، فهو مشغول بوظيفة وقته عما مضى ، وصار في العدم ، وعما لم يدخل بعد في الوجود ، فهمّه عمارة وقته الذي هو مادة حياته الباقية .
ومن علاماته : أنه مستأنس بربه ، مستوحش ممن يقطعه عنه . ولهذا قيل : العارف من أنس باللّه ، فأوحشه من الخلق ، وافتقر إلى اللّه فأغناه عنهم . وذل للّه فأعزه فيهم ، وتواضع للّه فرفعه بينهم . واستغنى باللّه فأحوجهم إليه .
وقيل : العارف فوق ما يقول ، والعالم دون ما يقول . يعني أن العالم علمه أوسع من حاله وصفته ، والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره .
وقال أبو سليمان الداراني : إن اللّه تعالى يفتح للعارف على فراشه ما لم يفتح له وهو قائم يصلي ، وقال غيره : العارف تنطق المعرفة على قلبه وحاله وهو ساكت .
وقال ذو النون : لكل شيء عقوبة . وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر اللّه .
وقال بعضهم : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين . وهذا كلام ظاهره منكر جدا يحتاج إلى شرح . فالعارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه ، وإنما يكون رؤياه نصيحة وإرشادا وتعليما ، ليقتدى به . فهو يدعو إلى اللّه بعمله كما يدعو إليه بقوله . فهو ينتفع بعلمه وينفع به غيره . وإخلاص المريد مقصور على نفسه . فالعارف جمع بين الإخلاص والدعوة إلى اللّه .
فإخلاصه في قلبه . وهو يظهر عمله وحاله ليقتدى به . والعارف ينفع بسكوته . والعالم إنما ينفع بكلامه :
ولو سكتوا أثنت عليك الحقائق
وقال ذو النون : الزهاد ملوك الآخرة . وهم فقراء العارفين . وسئل الجنيد عن العارف ؟
فقال : لون الماء لون إنائه . وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبودية . وهو أن يتلون بتلون أقسام العبودية . فبينما تراه مصليا إذ رأيته ذاكرا ، أو قارئا ، أو معلما ، أو متعلما ، أو مجاهدا ، أو حاجا ، أو مساعدا للضيف ، أو مغيثا للملهوف . فيضرب في كل غنيمة من الغنائم بسهم . فهو مع المتسببين متسبب ، ومع المتعلمين متعلم ، ومع الغزاة غاز ، ومع المصلين مصلّ ، ومع المتصدقين متصدق . فهو يتنقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية . وهو مقيم على معبود واحد . لا ينتقل إلى غيره « 1 » .
هامش
( 1 ) وقد فسر الشيخ كلام الجنيد بما في نفسه هو وما يعتقد ، وفسره أتباع الجنيد - الذين هم أعرف بمراده - بأنه يريد : أن العبد الإناء والرب الماء .