تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 858

مساهمون:

ص٨٥٨
معرفة اللّه - وهو راغب في غيره - : كذّبت رغبته معرفته ، ومن عرف اللّه أحبه على قدر معرفته به ، وخافه ورجاه ، وتوكل عليه ، وأناب إليه ، ولهج بذكره ، واشتاق إلى لقائه ، واستحيا منه . وأجلّه وعظمه على قدر معرفته به ، وعلامة العارف : أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها الغيب الذي دعي إلى الإيمان به ، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى له فيها اللّه سبحانه ، والدار الآخرة ، والجنة والنار ، والملائكة ، والرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم ، كما قيل :
إذا سكن الغدير على صفاء * وجنّب أن يحركه النسيم بدت فيه السماء بلا امتراء * كذاك الشمس تبدو والنجوم كذاك قلوب أرباب التجلّي * يرى في صفوها اللّه العظيم
وهذه رؤية المثل الأعلى ، كما تقدم . ومن علامات المعرفة : أن يبدو لك الشاهد ، وتفنى الشواهد ، وتنحل العلائق ، وتنقطع العوائق ، وتجلس بين يدي الرب تعالى ، وتقوم وتضطجع على التأهب للقائه ، كما يجلس الذي شدّ أحماله وأزمع السفر على التأهب له ، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه ، كما ينزل المسافر في المنزل ، فهو قائم وجالس ومضطجع على التأهب . وقيل للجنيد : إن أقواما يدعون المعرفة ، يقولون : إنهم يصلون بترك الحركات من باب البرّ والتقوى ؟ فقال الجنيد : هذا قول أقوام تكلموا بإسقاط الأعمال ، وهو عندي عظيم ، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا ، إن العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه ، وإلى اللّه رجعوا فيها . ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يحال بيني وبينها . ومن علامات العارف : أنه لا يطالب ولا يخاصم ، ولا يعاتب ، ولا يرى له على أحد فضلا . ولا يرى له على أحد حقا . ومن علاماته : أنه لا يأسف على فائت ، ولا يفرح بآت ، لأنه ينظر إلى الأشياء بعين الفناء والزوال ، لأنها في الحقيقة كالظلال والخيال ، وقال الجنيد : لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالأرض يطؤها البر والفاجر ، وكالسحاب يظلّ كل شيء ، وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب ، وقال يحيى بن معاذ : يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين : بكاء على نفسه ، وثناء على ربه ، وهذا من أحسن الكلام . فإنه يدل على معرفته بنفسه وعيوبه وآفاته ، وعلى معرفته بربه وكماله وجلاله ، فهو شديد الإزراء على نفسه ، لهج بالثناء على ربه . وقال أبو يزيد : إنما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم والوقوف مع ما له . يريد تضييع حظوظهم ، والوقوف مع حقوق اللّه سبحانه وتعالى . فتغنيهم حقوقه عن حظوظهم . وقال آخر : لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن اللّه طرفة عين . وهذا يحتاج إلى شرح . فإن ما هو دون ذلك يشغل القلب ، لكن يكون اشتغاله بغير اللّه للّه . فذلك اشتغال به سبحانه . لأنه إذا اشتغل بغيره لأجله لم يشتغل عنه . قال ابن عطاء : المعرفة على ثلاثة أركان : الهيبة والحياء والأنس . وقيل لذي النون : بم عرفت اللّه ربك ؟ قال : عرفت ربي بربي ، ولولا ربي لما عرفت ربي ، وقيل لعبد اللّه بن المبارك :