تشهد له بالمعرفة ، فالعارف - عندهم - من عرف اللّه سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ، ثم صدق اللّه في معاملته ، ثم أخلص له في قصوده ونياته ، ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة وآفاته ، ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته ، ثم صبر على أحكام اللّه في نعمه وبلياته ، ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته ، ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله ، ولم يشبها بآراء الرجال وأذواقهم ومواجيدهم ومقاييسهم ومعقولاتهم ، ولم يزن بها ما جاء به الرسول عليه من اللّه أفضل صلواته .
فهذا الذي يستحق اسم العارف على الحقيقة ، إذا سمي به غيره على الدعوى والاستعارة « 1 » .
وقد تكلموا على « المعرفة » بآثارها وشواهدها . فقال بعضهم : من أمارات المعرفة باللّه :
حصول الهيبة منه ، فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته .
وقال أيضا : المعرفة توجب السكون . فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته .
وقال لي بعض أصحابنا : ما علامة المعرفة التي يشيرون إليها ؟ فقلت له : أنس القلب باللّه .
قال لي : علامتها أن يحس بقرب قلبه من اللّه . فيجده قريبا منه .
وقال الشبلي : ليس لعارف علاقة ، ولا لمحب شكوى ، ولا لعبد دعوى ، ولا لخائف قرار . ولا لأحد من اللّه فرار .
وهذا كلام جيد . فإن المعرفة الصحيحة تقطع من القلب العلائق كلها . وتعلقه بمعروفه .
فلا يبقى فيه علاقة بغيره . ولا تمر به العلائق إلا وهي مجتازة . لا تمر مرور استيطان .
وقال أحمد بن عاصم : من كان باللّه أعرف : كان له أخوف . ويدل على هذا قوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « أنا أعرفكم باللّه . وأشدكم له خشية » .
وقال آخر : من عرف اللّه تعالى ضاقت عليه الدنيا بسعتها .
وقال غيره : من عرف اللّه تعالى اتسع عليه كل ضيق .
ولا تنافي بين هذين الأمرين . فإنه يضيق عليه كل مكان لا يساعد فيه على شأنه ومطلوبه .
ويتسع عليه ما ضاق على غيره ، لأنه ليس فيه ، ولا هو مساكن له بقلبه . فقلبه غير محبوس فيه .
والأول : في بداية المعرفة . والثاني : في نهايتها التي يصل إليها العبد .
وقال آخر : من عرف اللّه تعالى صفا له العيش . فطابت له الحياة . وهابه كل شيء ، وذهب عنه خوف المخلوقين ، وأنس باللّه .
وقال غيره : من عرف اللّه قرت عينه باللّه ، وقرت عينه بالموت ، وقرت به كل عين ، ومن لم يعرف اللّه تقطع قلبه على الدنيا حسرات ، ومن عرف اللّه لم يبق له رغبة فيما سواه ، ومن ادعى
هامش
( 1 ) هذا عند المهتدين بهدي اللّه ورسوله . أما عند الصوفية : فالعارف هو الذي تسقط عنه التكاليف والأوامر والنواهي الشرعية . لأنه عرف الحقيقة الإلهية التي هي عندهم وحدة الوجود ، والتي هو وجميع المخلوقات مظهرها واسمها وصفتها ، ويقول قائلهم :العبد رب والرب عبد * فليت شعري من المكلف ؟
إن قلت : عبد ، فذاك رب * أو قلت : رب ، أنى يكلف ؟