تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 856

مساهمون:

ص٨٥٦
وعلمته صالحا عالما . ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة . كقوله تعالى :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمّد : 19 ] وقوله :
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ المائدة : 98 ] وقوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
[ هود : 14 ] . فالمعرفة : حضور صورة الشيء ومثاله العلمي في النفس ، والعلم : حضور أحواله وصفاته ، ونسبتها إليه ، فالمعرفة : تشبه التصور ، والعلم : يشبه التصديق . الثاني : أن « المعرفة » - في الغالب - تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه . فإذا أدركه قيل : عرفه ، أو تكون لما وصف له بصفات قامت في نفسه . فإذا رآه وعلم أنه الموصوف بها ، قيل : عرفه ، قال اللّه تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ
[ يونس : 45 ] وقال تعالى :
وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
[ يوسف : 58 ] وقال :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
[ البقرة : 146 والأنعام : 20 ] لما كانت صفاته معلومة عندهم ، فرأوه : عرفوه بتلك الصفات . وفي الحديث الصحيح « إن اللّه تعالى يقول لآخر أهل الجنة دخولا : أتعرف الزمان الذي كنت فيه ؟ فيقول : نعم . فيقول : تمنّ . فيتمنى على ربه » وقال تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
[ البقرة : 89 ] فالمعرفة : تشبه الذكر للشيء . وهو حضور ما كان غائبا عن الذكر . ولهذا كان ضد المعرفة : الإنكار . وضد العلم : الجهل . قال تعالى :
يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها
[ النّحل : 83 ] ويقال : عرف الحق فأقر به ، وعرفه فأنكره . الوجه الثالث - من الفرق - : أن « المعرفة » تفيد تمييز المعروف عن غيره و « العلم » يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره ، وهذا الفرق غير الأول ، فإن ذاك يرجع إلى إدراك الذات وإدراك صفاتها ، وهذا يرجع إلى تخليص الذات من غيرها ، وتخليص صفاتها من صفات غيرها . الفرق الرابع : أنك إذا قلت : علمت زيدا ، لم يفد المخاطب شيئا ، لأنه ينتظر بعد : أن تخبره على أي حال علمته ؟ فإذا قلت : كريما أو شجاعا ، حصلت له الفائدة . وإذا قلت : عرفت زيدا ، استفاد المخاطب أنك أثبته وميزته عن غيره ، ولم يبق منتظرا لشيء آخر ، وهذا الفرق في التحقيق إيضاح للفرق الذي قبله . الفرق الخامس : وهو فرق العسكري في فروقه وفروق غيره : أن « المعرفة » علم بعين الشيء مفصلا عما سواه . بخلاف « العلم » فإنه قد يتعلق بالشيء مجملا . وهذا يشبه فرق صاحب المنازل . فإنه قال « المعرفة إحاطة بعين الشيء كما هو » وعلى هذا الحد : فلا يتصور أن يعرف اللّه البتة . ويستحيل عليه هذا الباب بالكلية فإن اللّه سبحانه لا يحاط به علما ، ولا معرفة ولا رؤية . فهو أكبر من ذلك وأجلّ وأعظم . قال تعالى :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
[ طه : 110 ] بل حقيقة هذا الحد : انتفاء تعلق المعرفة بأكبر المخلوقات حتى بأظهرها . وهو الشمس والقمر . بل لا يصح أن يعرف أحد نفسه وذاته البتة . والفرق بين « العلم » و « المعرفة » عند أهل هذا الشأن : أن « المعرفة » عندهم هي العلم الذي يقوم العالم بموجبه ومقتضاه . فلا يطلقون المعرفة على مدلول العلم وحده ، بل لا يصفون بالمعرفة إلا من كان عالما باللّه ، وبالطريق الموصل إلى اللّه ، وبآفاتها وقواطعها ، وله حال مع اللّه