فقط ، فإذا صار من أهل التحقيق علم بعد ذلك : أنه لا انفصال ولا اتصال ، وينشد في هذا المعنى بيتا مشهورا لطائفة الاتحادية :
فما فيك لي شيء لشيء موافق * ولا منك لي شيء لشيء مخالف
قال : « الثالث : انفصال عن الاتصال ، وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق ، فإن الانفصال والاتصال - على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم - في العلة سيان » .
الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن ما قبلها انفصال عن سكونه إلى انفصاله ورؤيته له .
وهو في هذه الدرجة انفصال عن رؤية اتصاله . فيتجرد عن رؤية كونه متصلا ، فإن هذه الرؤية علة في الاتصال . بل كمال الاتصال : غيبته عن رؤية كونه متصلا ، لكمال استغراقه بما هو فيه من حقيقة الاتصال ، فيحصل من الدرجتين انفصاله عن الانفصال والاتصال معا .
فها هنا جال الملحد وصال . وفتح فاه ناطقا بالإلحاد ، وقال : هذا يدل على أن « الانفصال » و « الاتصال » لا حقيقة لهما في نفس الأمر بل في نظر الناظر . فلا حقيقة لهما في نفس الأمر ، لكن في وهم المكاشف . فأين الاتصال والانفصال في العين الواحدة ؟ وإنما الوهم والخيال قد حكما على أكثر الخلق .
وقد أعاذ اللّه الشيخ « 1 » من أن يظنّ به هذا الإلحاد . وإنما مراده ما ذكرناه .
وقد كشف عن مراده بقوله « وهو انفصال عن شهود مزاحمة الاتصال عين السبق » أي ينفصل عن شهود مزاحمته لاتصاله عما سبق في الأزل من الأول الآخر سبحانه . فإنه إذا لاحظ السبق وما تقرر فيه ، حيث لم يكن هو ولا شيء من الأشياء : لم يزاحم شهود اتصاله لشهود ما سبق له به الأزل . بل اضمحل فعله وشهوده ووجوده إلى ذلك الوجود الأزلي ، بحيث كأنه لم يكن . فإذا نسب فعله وصفاته ووجوده إلى ذلك الوجود اضمحل وتلاشى . وصار كالظل والخيال للشخص .
قوله « فإن الاتصال والانفصال - على عظم تفاوتهما في الاسم والرسم - في العلة سيان » .
معناه : أن معنى اسم « الاتصال » يضاد اسم « الانفصال » كما يضاد اسمه اسمه . وهما متساويان في العلة ، أي رؤية « الاتصال » علة ، ورؤية « الانفصال » علة . فتساويا من هذا الوجه .
وإن تضادا لفظا ومعنى . واللّه سبحانه وتعالى أعلم .
باب المعرفة
قال صاحب المنازل : « ( باب المعرفة ) قال اللّه تعالى :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
[ المائدة : 83 ] المعرفة : إحاطة بعين الشيء كما هو » .
قلت : وقع في القرآن لفظ « المعرفة » ولفظ « العلم » فلفظ « المعرفة » كقوله :
مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
[ المائدة : 83 ] وقوله :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
[ البقرة : 146 ] .
وأما لفظ « العلم » فهو أوسع إطلاقا . كقوله :
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
[ محمّد : 19 ]
هامش
( 1 ) لعل وعسى ! ! أو لعله تاب قبل أن يموت وأناب .