تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 853

مساهمون:

ص٨٥٣
ذكر غيره في حال شغله به سبحانه ، إذ ليس فيه اتساع لغيره ، فانفصل في هذه الحال نظره إلى الكونين ، وانفصل توقفه عليهما ، وانفصلت مبالاته بهما ضرا أو نفعا ، أو عطاء أو منعا . وهذه الحال لا تدوم ، فإذا رجع إلى الكون بحكم طبيعته ، وأنه جزء من الكون - ذكر الرسل والأنبياء والملائكة والأولياء بالتعظيم والاحترام ، وأحسن الذكر ، وذكر أعداءهم باللعن وأقبح الذكر . فهذه وظيفته في هذه الحال ، وتلك وظيفته في ذلك المقام . والمقصود : أنه انفصال شهود في الأحوال . لا انفصال وجود ، ولا انفصال شهود دائما أبدا ، ولا تلتفت إلى غير هذا . فإنه خيال وخبال ، ووهم لا نطيل الكتاب بذكره . قال : « الثاني : انفصال عن رؤية الانفصال الذي ذكرناه . وهو أن لا يتراءى عندك في شهود التحقيق شيء يوصل بالانفصال منهما إلى شيء » . إنما كانت هذه الدرجة أعلى عنده مما قبلها ، من حيث كانت الأولى وسيلة إليها ، وكانت هذه غاية لها ومرتبة عليها ، فإن المنفصل من الكونين - شغلا باللّه عز وجل - قد تسكن نفسه إلى مقامه من الانفصال ، ويساكنه بسره وقلبه ، ويغيب عنه : أنه محض منة اللّه ، ومجرد عطائه . فيحتاج إلى أن ينفصل عن رؤية انفصاله . ويضيف ذلك إلى أهله ووليه المانّ به . وهذا التفصيل يتضمن التفاوت الذي أشار إليه الشيخ في أول الباب ، فإنه ذكر في الدرجة الأولى « أن الانفصال شرط في الاتصال » وقال هاهنا : « لا يتراءى عندك في شهود التحقيق سبب يوصل بالانفصال منهما إلى شيء » وهذا يناقض ما ذكره . ولا يجتمع معنى كلاميه . بل بينهما تفاوت التناقض ، فأين شرط حصول الشيء من شهود عدم كونه سببا وشرطا ؟ . والجواب عن هذا : أن كون الشيء شرطا وسببا لحصول شيء لا يناقض أن يكون عدم رؤيته شرطا لحصول ذلك الشيء ، فيكون حصوله مشروطا بوجود ذلك الشيء في نفس الأمر ، ويعدم رؤية العبد له ، فتكون الرؤية مانعة ، وإيضاح ذلك ببيان كلامه . فقوله « انفصال عن رؤية الانفصال » يعني : أن العبد يرى - حالة الشهود - أنه انفصل عن الكونين . ثم اتصل بجناب العزة . فيشهد اتصالا بعد انفصال . وهذه الرؤية - في التحقيق - ليست صحيحة ، لأنه لم ينفصل عن الكونين أصلا ، لكنه توهم ذلك ، فإذا تبين أنه لم ينفصل عن الكونين فقد انفصل عن الانفصال المذكور . لتحققه أنه لم يكن صحيحا . ثم بين كيف يصح له انفصال عن انفصاله بقوله « أن لا يتراءى » أي أن لا يظهر لك شيء في شهود التحقيق يكون هو السبب الموجب للاتصال . فكأنه قال : أن تشهد التحقيق . فيريك شهوده : أنك ما انفصلت بنفسك عن شيء ، ولا اتصلت بنفسك بشيء ، بل الأمر كله بيد غيرك . فهو الذي فصلك وهو الذي وصلك . وأما الملحد : فيفسر كلامه بغير هذا . ويقول : إذا شهدت الحقيقة أرتك أنك ما انفصلت من شيء ، ولا اتصلت بشيء ، فإن تلك اثنينية تنافي الوحدة المطلقة . فانظر ما في الألفاظ المجملة الاصطلاحية من الاحتمال . وكيف يجرها كل أحد إلى نحلته ومذهبه ؟ ولهذا يقول الملحد : إنه ليس هناك اتصال ولا انفصال إنما هو في نظر العبد ووهمه