باب الانفصال
قال صاحب المنازل : « ( باب الانفصال ) قال اللّه تعالى :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
[ آل عمران :
28 ] ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال » .
وجه الإشارة بالآية : أنه سبحانه المقرب المبعد ، فليحذر القريب من الإبعاد والمتصل من الانفصال ، فإن الحق جل جلاله غيور لا يرضى ممن عرفه ووجد حلاوة معرفته ، واتصل قلبه بمحبته والأنس به ، وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى - أن يكون له التفات إلى غيره البتة .
ومن غيرته سبحانه : حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، واللّه سبحانه يغار أشد الغيرة على عبده : أن يلتفت إلى سواه ، فإذا أذاقه حلاوة محبته ، ولذة الشوق إليه ، وأنس معرفته ، ثم ساكن غيره : باعده من قربه ، وقطعه من وصله ، وأوحش سره ، وشتت قلبه ، ونغص عيشه ، وألبسه رداء الذل والصغار والهوان ، فنادى عليه حاله ، إن لم يصرح به قاله : هذا جزاء من تعوض عن وليه وإلهه وفاطره ، ومن لا حياة له إلا به : بغيره وآثر غيره عليه . فاتخذ سواه له حبيبا ، ورضي بغيره أنيسا ، واتخذ سواه وليا . قال اللّه تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
[ الكهف : 50 ] .
فإذا ضرب هذا القلب بسوط البعد والحجاب ، وسلط عليه من يسومه سوء العذاب ، وملىء من الهموم والغموم والأحزان ، وصار محلا للجيف والأقذار والأنتان ، وبدّل بالأنس وحشة ، وبالعز ذلا ، وبالقناعة حرصا ، وبالقرب بعدا [ و ] طردا ، وبالجمع شتاتا وتفرقة - كان هذا بعض جزائه . فحينئذ تطرقه الطوارق والمؤلمات ، وتعتريه وفود الأحزان والهموم بعد وفود المسرات .
قرأ قارىء بين يدي السّري
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
[ الإسراء : 45 ] فقال السريّ : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ هو حجاب الغيرة . ولا أحد أغير من اللّه ، فمن عرفه وذاق حلاوة قربه ومحبته ، ثم رجع عنه إلى مساكنة غيره : ثبط جوارحه عن طاعته ، وعقل قلبه عن إرادته ومحبته ، وأخّره عن محل قربه . وولاه ما اختاره لنفسه .
وقال بعضهم : احذره . فإنه غيور . لا يحب أن يرى في قلب عبده سواه .
ومن غيرته : أن صفيه آدم لما ساكن بقلبه الجنة ، وحرص على الخلود فيها أخرجه منها ، ومن غيرته سبحانه : أن إبراهيم خليله لما أخذ إسماعيل شعبة من قلبه أمره بذبحه ، حتى يخرج من قلبه ذلك المزاحم .
إنما كان الشرك عنده ذنبا لا يغفر لتعلق قلب المشرك به وبغيره . فكيف بمن تعلق قلبه كله بغيره . وأعرض عنه بكليته ؟ .
إذا أردت أن تعرف ما حل بك من بلاء الانفصال ، وذلّ الحجاب ، فانظر لمن استعبد قلبك ، واستخدم جوارحك ، وبمن شغل سرك . وأين يبيت قلبك إذا أخذت مضجعك ؟ وإلى أين يطير إذا استيقظت من منامك ؟ فذلك هو معبودك وإلهك . فإذا سمعت النداء يوم القيامة : لينطلق كل واحد مع من كان يعبده . انطلقت معه كائنا من كان .
لا إله إلا اللّه ! ما أشد غبن من باع أطيب الحياة في هذه الدار المتصلة بالحياة الطيبة