هناك ، والنعيم المقيم بالحياة المنغصة المنكدة المتصلة بالعذاب الأليم . والمدة ساعة من نهار ، أو عشية أو ضحاها ، أو يوم أو بعض يوم . فيه ربح الأبد أو خسارة الأبد .
فما هي إلا ساعة . ثم تنقضي * ويذهب هذا كله ويزول
قال الشيخ : « ليس في المقامات شيء فيه من التفاوت ما في الانفصال » .
يعني : أن بين درجات المقامات تناسب ، واختلاف يسير ، ومقام الانفصال : قليل التناسب في درجاته ، كثير التفاوت . كما سنذكره .
قال : « ووجوهه ثلاثة . أحدها : انفصال هو شرط الاتصال ، وهو الانفصال عن الكونين بانفصال نظرك إليهما ، وانفصال توقفك عليهما ، وانفصال مبالاتك بهما » .
يعني : أن انفصال العبد عن رسومه بالفناء ، هو شرط اتصال وجوده بالبقاء ، فلا ولاء للّه ورسوله إلا بالبراء مما يضاد ذلك ويخالفه . وقد قال إمام الحنفاء لقومه :
إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي
[ الزّخرف : 26 ، 27 ] وقال الفتية :
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
[ الكهف :
16 ] فلم تعتزلوه .
وهذه العبارة التي ذكرها الشيخ - في بادئ الرأي - لا تخلو عن إنكار حتى يبين معناها والمراد بها . فإن « الكونين » عبارة عن جميع ما خلقه اللّه في الدنيا والآخرة ، ويعبر عنهما بعالم الغيب وعالم الشهادة . وفيهما الرسل والأنبياء ، والملائكة والأولياء . فكيف ينفصل عنهم ولا ينظر إليهم . ولا يقف بقلبه عليهم ، ولا يبالي بهم ؟ .
فاعلم أن في لسان القوم من الاستعارات « 1 » ، وإطلاق العام وإرادة الخاص ، وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف غيرهم . ولهذا يقولون : نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة ، والإشارة لنا والعبارة لغيرنا . وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ، ويريدون بها معنى لا فساد فيه ، وصار هذا سببا لفتنة طائفتين : طائفة تعلقوا عليهم بظاهر عباراتهم ، فبدّعوهم وضللوهم « 2 » ، وطائفة نظروا إلى مقاصدهم ومغزاهم ، فصوبوا تلك العبارات ، وصححوا تلك الإشارات ، فطالب الحق يقبله ممن كان ، ويرد ما خالفه على من كان .
ومراد الشيخ وأهل الاستقامة : أن النفس لما كانت مائلة إلى الملذوذات - المحسوسة والمعنوية المشاهدة المعاينة - كان النظر إليها والوقوف معها علة في الطريق والقصد جميعا .
وكان شاغلا لها عن النظر إلى المقصود وحده ، والوقوف معه دون غيره . والالتفات إليه دون ما سواه ، فمتى قوي تعلق القلب بالمقصود الأعلى ، بحيث يشغله ذكره عن ذكر غيره ، وحبه عن حب غيره ، وخوفه عن خوف غيره ، ورجاؤه عن رجاء غيره ، وكان أنسه به خاصة - انفصل عن
هامش
( 1 ) وما عمدة الجهمية وغيرهم من الضالين إلا على هذه الاستعارات والمجازات التي شن الشيخ عليها غاراته في كتابه « الصواعق المرسلة » .
( 2 ) وما أصدق هؤلاء وأنصحهم للّه ولرسله ولكتابه وعامة المسلمين . وهم أولى وأحق بالاتباع . وللشيخ حملة شعواء في كتبه الأخرى على المجاز والإشارة ونحوها . فما أشد حاجة الأمة الإسلامية للبراءة من الصوفية ليعود لها مجدها الذي ما حطمه - بل الإنسانية كلها - إلا الصوفية .