طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول ، فإذا كان مشاهدا للمدلول ، فما له ولطلب الدليل ؟ :
وليس يصحّ في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل
فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل عليه : من النهار بعض آياته الدالة عليه ؟
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
[ فصّلت : 37 ] ولهذا خاطب الرسل قومهم خطاب من لا يشك في ربه ، ولا يرتاب في وجوده :
قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ إبراهيم : 10 ] .
قوله « وسقوط شتات الأسرار » يعني : أن الخلاص من الاعتلال والفناء باتصال الشهود عن الاستلال : يسقطان عنه شتات الأسرار ، وهو تفرق باله وتشتت قلبه في الأكوان ، فإن اتصال شهوده بجمعه على المشهود ، كما أن دوام الذكر - الذي تواطأ عليه القلب واللسان - وشهود المذكور : يجمعه عليه ، ويسقط شتاته ، فالشتات مصحوب الغيبة ، وسقوطه مصحوب الحضور .
واللّه المستعان .
قوله « الدرجة الثالثة : اتصال الوجود ، وهذا الاتصال لا يدرك منه نعت ولا مقدار ، إلا اسم معار ، ولمح إليه مشار » يقول : لما يعهد في هذا النوع من الاتصال - وكان أعز شيء وأغربه عن النفوس علما وحالا - لم تف العبارة بكشفه . فإن اللفظ لملوم والعبارة فتانة ، إما أن تزيغ إلى زيادة مفسدة أو نقص مخل ، أو تعدل بالمعنى إلى غيره ، فيظن أنه هو الذي تمكن العبارة عنه ، من ذلك : أنه غلبه نور القرب ، وتمكن المحبة ، وقوة الأنس ، وكمال المراقبة ، واستيلاء الذكر القلبي . فيذهب العبد عن إدراكه بحاله لما قهره من هذه الأمور ، فيبقى بوجود آخر غير وجوده الطبيعي .
وما أظنك تصدق بهذا ، وأنه يصير له وجود آخر . وتقول : هذا خيال ووهم ، فلا تعجل بإنكار ما لم تحط بعلمه ، فضلا عن ذوق حاله ، وأعط القوس باريها ، وخلّ المطايا وحاديها ، فلو أنصفت لعرفت أن الوجود الحاصل لمعذب مضيق عليه في أسوإ حال ، وأضيق سجن ، وأنكد عيش ، إذا فارق هذه الحال ، وصار إلى ملك هنيّ واسع ، نافذة فيه كلمته مطاع أمره ، قد انقادت له الجيوش ، واجتمعت عليه الأمة : فإن وجوده حينئذ غير الوجود الذي كان فيه ، وهذا تشبيه على التقريب ، وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأعظم ، فلهذا قال « لا يدرك منه نعت » يطابقه ويحيط به . فإن الأمور العظيمة جدا نعتها لا يكشف حقيقتها على ما هي عليه . وليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء ، وإنما نذكر بعض لوازمها ومتعلقاتها . فيدل بالمذكور على غيره .
قوله « ولا مقدار » يريد : مقدار الشرف والمنزلة ، كما تقول : فلان كبير المقدار .
قوله « إلا اسم معار ولمح إليه يشار » لما كان « الاسم » لا يبلغ الحقيقة ولا يطابقها ، فكأنه لغيرها ، وأعير إطلاقه عليها عارية ، وكذلك « اللمح المشار » هو الذي يشار به إشارة إلى الحقيقة .
وبعد ، فالشيخ يدندن حول بحر الفناء . وكأنه يقول : صاحب هذا الاتصال قد فني في الوجود ، بحيث صار نقطة انحل تعينها ، واضمحل تكونها ، ورجع عودها على بدئها . ففني من لم يكن ، وبقي من لم يزل . فهنالك طاحت الإشارات ، وذهبت العبارات ، وفنيت الرسوم
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
[ طه : 111 ] .