اتصال الوجود ، كما في الأثر « اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء . وإن فتك فاتك كل شيء » .
وهذا الوجود من العبد لربه يتنوع بحسب أحوال العبد ومقامه . فإن التائب الصادق في توبته إذا تاب إليه : وجده غفورا رحيما ، والمتوكل إذا صدق في التوكل عليه : وجده حسيبا كافيا ، والداعي إذا صدق في الرغبة إليه : وجده قريبا مجيبا ، والمحب إذا صدق في محبته :
وجده ودودا حبيبا ، والملهوف إذا صدق في الاستغاثة به : وجده كاشفا للكرب مخلصا منه .
والمضطر إذا صدق في الاضطرار إليه : وجده رحيما مغيثا ، والخائف إذا صدق في اللجوء إليه :
وجده مؤمنا من الخوف ، والراجي إذا صدق في الرجاء : وجده عند ظنه به .
فمحبه وطالبه ومريده الذي لا يبغي به بدلا . ولا يرضى بسواه عوضا ، إذا صدق في محبته وإرادته : وجده أيضا وجودا أخص من تلك الوجودات ، فإنه إذا كان المريد منه يجده ، فكيف بمريده ومحبه ؟ فيظفر هذا الواجد بنفسه وبربه .
أما ظفره بنفسه : فتصير منقادة له مطيعة له ، تابعة لمرضاته غير آبية ، ولا أمّارة ، بل تصير خادمة له مملوكة ، بعد أن كانت مخدومة مالكة .
وأما ظفره بربه : فقربه منه ، وأنسه به ، وعمارة سره به . وفرحه وسروره به أعظم فرح وسرور ، فهذا حقيقة اتصال الوجود . واللّه المستعان .
قوله « فاتصال الاعتصام : تصحيح القصد ، ثم تصفية الإرادة . ثم تحقيق الحال » .
قلت : تصحيح القصد يكون بشيئين : إفراد المقصود ، وجمع الهم عليه . وحقيقته : توحيد القصد والمقصود ، فمتى انقسم قصده أو مقصوده : لم يكن صحيحا ، وقد عبر عنه الشيخ فيما تقدم بأنه « قصد يبعث على الارتياض ، ويخلص من التردد ، ويدعو إلى مجانبة الأعواض » فالاتصال في هذه الدرجة بهذا القصد .
وقوله « ثم تصفية الإرادة » هو تخليصها من الشوائب ، وتعليقها بالسوى أو بالأعواض . بل تكون إرادة صافية من ذلك كله . بحيث تكون متعلقة باللّه وبمراده الديني الشرعي ، كما تقدم بيانه .
وقوله « ثم تحقيق الحال » أي يكون له حال محقق ثابت ، لا يكتفي بمجرد العلم ، حتى يصحبه العمل ، ولا بمجرد العمل حتى يصحبه الحال ، فتصير الإرادة والمحبة والإنابة والتوكل وحقائق الإيمان حالا لقلبه ، قد انصبغ قلبه بها ، بحيث لو تعطلت جوارحه كان قلبه في العمل والسير إلى اللّه ، وربما يكون عمل قلبه أقوى من عمل جوارحه .
قوله « الدرجة الثانية : اتصال الشهود ، وهو الخلاص من الاعتلال ، والغنى عن الاستدلال ، وسقوط شتات الأسرار » .
« الاعتلال » هو العوائق ، والعلل ، والخلاص منها : هو الصحة . ولهذا كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها . فإن الأولى : اتصال بصحة القصود والأعمال ، وهذه اتصال برؤية من العمل له ، على تحقيق مشاهدته بالبصيرة ، فيتخلص العبد بذلك من علل الأعمال ، واستكثارها ، واستحسانها ، والسكون إليها .
قوله « والغنى عن الاستدلال » أي هو مستغن بمشاهدة المدلول عليه عن طلب الدليل . فإن
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 849
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٤٩