[ الصّافات : 147 ] والمعنى : أنهم إن لم يزيدوا على المائة الألف لم ينقصوا عنها . فهو تقرير لنصية عدد المائة الألف . فتأمله .
درجات الاتصال
قال : « والاتصال ثلاث درجات . الدرجة الأولى : اتصال الاعتصام ، ثم اتصال الشهود ، ثم اتصال الوجود ، واتصال الاعتصام : تصحيح القصد ، ثم تصفية الإرادة ، ثم تحقيق الحال » .
أما القسمان الأولان - وهما اتصال الاعتصام ، واتصال الشهود - فلا إشكال فيهما . فإنهما مقاما الإيمان والإحسان ، فاتصال الاعتصام : مقام الإيمان ، واتصال الشهود : مقام الإحسان .
وعندي : أنه ليس وراء ذلك مرمى ، وكل ما يذكر بعد ذلك - من اتصال صحيح - فهو من مقام الإحسان ، فاتصال الوجود لا حقيقة له ، ولكن لا بد من ذكر مراد الشيخ وأهل الاستقامة بهذا الاتصال ، ومراد أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود منه ، إذا انتهينا إلى ذكره إن شاء اللّه .
فأما اتصال الاعتصام : فقد قال اللّه تعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
[ الحجّ : 78 ] وقال تعالى :
وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ آل عمران : 101 ] وقال تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ
[ النّساء : 146 ] وقال :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
[ آل عمران : 103 ] .
فالاعتصام به نوعان ، الأول : اعتصام توكل واستعانة وتفويض ولجإ وعياذ ، وإسلام النفس إليه ، والاستسلام له سبحانه .
والثاني : اعتصام بوحيه . وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم ، ومعقولاتهم ، وأذواقهم وكشوفاتهم ومواجيدهم . فمن لم يكن كذلك فهو منسلّ من هذا الاعتصام . فالدين كله في الاعتصام به وبحبله ، علما وعملا ، وإخلاصا واستعانة ، ومتابعة ، واستمرارا على ذلك إلى يوم القيامة .
قوله « ثم اتصال الشهود » وتقدم ذكر المشاهدة قريبا . وبينا أن « المشاهدة » هي تحقق مقام الإحسان ، فالاتصال الأول : اتصال العلم والعمل . والاتصال الثاني : اتصال الحال والمعرفة .
قوله « ثم اتصال الوجود » الوجود : الظفر بحقيقة الشيء . ومعاذ اللّه أن يريد الشيخ : أن وجود العبد يتصل بوجود الرب ، فيصير الكل وجودا واحدا ، كما يظنه الملحد ، فإن كفر النصارى جزء يسير من هذا الكفر ، وهو أيضا كلام لا معنى له ، فإن العبد - بل لا عبد في الحقيقة عندهم - لم يزل كذلك ، ولو كان أفسق الخلق وأفجرهم ، فنفس وجوده متصل بوجود ربه ، بل هو عين وجوده ، بل لا رب عندهم ولا عبد .
وإنما يريد الشيخ باتصال الوجود : أن العبد يجد ربه ، بعد أن كان فاقدا له . فهو بمنزلة من كان يطلب كنزا ولا وصول له إليه ، فظفر به بعد ذلك ووجده واستغنى به غاية الغنى « 1 » ، فهذا
هامش
( 1 ) فإذا تأولنا هذه الصرائح من القول الأعوج المائل عن صراط اللّه المستقيم : أمكن أن يتأول للنصارى وكل وثني بمثل هذا .