الثامن : أنه أخبر هناك : أنه
رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
[ التّكوير : 23 ] وهاهنا أخبر : أنه « رآه
بِالْأُفُقِ الْأَعْلى »
وهو واحد ، وصف بصفتين . فهو « مبين » وهو « أعلى » فإن الشيء كلما علا : بان وظهر .
التاسع : أنه قال :
ذُو مِرَّةٍ
[ النّجم : 6 ] و « المرة » الخلق الحسن المحكم . فأخبر عن حسن خلق الذي علّم النبي صلى اللّه عليه وسلم . ثم ساق الخبر كله عنه نسقا واحدا .
العاشر : أنه لو كان خبرا عن الرب تعالى لكان القرآن قد دل على أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأى ربه سبحانه مرتين : مرة بالأفق . ومرة عند السّدرة . ومعلوم أن الأمر لو كان كذلك لم يقل النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي ذر - وقد سأله « هل رأيت ربك ؟ » - فقال « نور . أنّى أراه ؟ » فكيف يخبر القرآن أنه رآه مرتين ، ثم يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أنى أراه ؟ » وهذا أبلغ من قوله : لم أره . لأنه - مع النفي - يقتضي الإخبار عن عدم الرؤية فقط ، وهذا يتضمن النفي ، وطرفا من الإنكار على السائل . كما إذا قال لرجل : هل كان كيت وكيت ؟ فيقول : كيف يكون ذلك ؟ .
الحادي عشر : أنه لم يتقدم للرب - جل جلاله - ذكر يعود الضمير عليه في قوله
« ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى »
والذي يعود الضمير عليه : لا يصلح له . وإنما هو لعبده .
الثاني عشر : أنه كيف يعود الضمير إلى ما لم يذكر . ويترك عوده إلى المذكور ، مع كونه أولى به ؟ .
الثالث عشر : أنه قد تقدم ذكر « صاحبكم » وأعاد عليه الضمائر التي تليق به . ثم ذكر بعده « شديد القوى ذا المرة » وأعاد عليه الضمائر التي تليق به . والخبر كله عن هذين المفسرين . وهما الرسول الملكي ، والرسول البشري .
الرابع عشر : أنه سبحانه أخبر : أن هذا الذي دنى فتدلى : كان بالأفق الأعلى وهو أفق السماء . بل هو تحتها قد دنى من رسول رب العالمين صلى اللّه عليه وسلم ودنو الرب تعالى وتدليه - على ما في حديث شريك - كان من فوق العرش لا إلى الأرض .
الخامس عشر : أنهم لم يماروه - صلوات اللّه وسلامه عليه - على رؤية ربه . ولا أخبرهم بها ، لتقع مماراتهم له عليها . وإنما ماروه على رؤية ما أخبرهم من الآيات التي أراه اللّه إياها .
ولو أخبرهم الرب تعالى لكانت مماراتهم له عليها أعظم من مماراتهم على رؤية المخلوقات .
السادس عشر : أنه سبحانه قرر صحة ما رآه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأن مماراتهم له على ذلك باطلة بقوله :
لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
[ النّجم : 18 ] فلو كان المرئي هو الرب سبحانه وتعالى ، والمماراة على ذلك منهم : لكان تقرير تلك الرؤية أولى ، والمقام إليها أحوج . واللّه أعلم .
قوله « آيس العقول بقوله : أو دنى » يعني : أن العقول لا تقدر أن تثبت على معرفة اتصال هو أدنى من قاب قوسين . وهذا بناء على ما فهمه من الآية ، وإلا فالعقول غير آيسة من دنو رسوله الملكي من رسوله البشري ، حتى صار في القرب منه قاب قوسين أو أدنى من قوسين . فإنه دنو عبد من عبد ، ومخلوق من مخلوق .
يبقى أن يقال : فما فائدة ذكر « أو » ؟ فيقال : هي لتقرير المذكور قبلها ، وأن القرب إن لم ينقص عن قدر قوسين لم يزد عليهما . وهذا كقوله :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ