تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 846

مساهمون:

ص٨٤٦
قوله « ولوائح الوجود » « اللوائح » جمع لائحة . وهي ما يلوح لك كالبرق وغيره . وسيأتي الكلام على الوجود الذي الصحو من لوائحه في بابه إن شاء اللّه تعالى .

باب الاتّصال

قال صاحب المنازل : « ( باب الاتصال ) قال اللّه تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
( 9 ) [ النّجم : 8 ، 9 ] آيس العقول ، فقطع البحث بقوله « أو أدنى » . كأن الشيخ فهم من الآية : أن الذي دنى فتدلى . فكان - من محمد صلى اللّه عليه وسلم - قاب قوسين أو أدنى : هو اللّه عز وجل . وهذا - وإن قاله جماعة من المفسرين - فالصحيح : أن ذلك هو جبريل عليه الصلاة والسلام . فهو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
( 14 ) [ النّجم : 13 ، 14 ] هكذا فسره النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح . قالت عائشة رضي اللّه عنها « سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية ؟ فقال : جبريل ، لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين » ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه . أحدها : أنه قال :
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النّجم : 5 ] وهذا جبريل الذي وصفه اللّه بالقوة في سورة التكوير . فقال :
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ
( 20 ) [ التّكوير : 19 ، 20 ] . الثاني : أنه قال :
ذُو مِرَّةٍ
[ النّجم : 6 ] أي حسن الخلق . وهو الكريم المذكور في التكوير « 1 » . الثالث : أنه قال :
فَاسْتَوى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
( 7 ) [ النّجم : 6 ، 7 ] وهو ناحية السماء العليا . وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى . وأما استواء الرب جل جلاله فعلى عرشه . الرابع : أنه قال :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
( 9 ) [ النّجم : 8 ، 9 ] فهذا دنو جبريل وتدليه إلى الأرض ، حيث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج . فرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان فوق السماوات . فهناك دنى الجبار جل جلاله منه وتدلى . فالدنو والتدلي في الحديث : غير الدنو والتدلي في الآية ، وإن اتفقا في اللفظ . الخامس : أنه قال :
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
( 14 ) [ النّجم : 13 ، 14 ] والمرئي عند السدرة : هو جبريل قطعا . وبهذا فسره النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقال لعائشة « ذاك جبريل » . السادس : أن مفسر الضمير في قوله :
« وَلَقَدْ رَآهُ »
وفي قوله :
« ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى »
وفي قوله :
« فَاسْتَوى »
وفي قوله :
« وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى »
واحد . فلا يجوز أن يخالف بين المفسر والمفسّر من غير دليل . السابع : أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين : الملكي ، والبشري . ونزه البشري عن الضلال والغواية ، ونزه الملكي عن أن يكون شيطانا قبيحا ضعيفا ، بل هو قوي كريم حسن الخلق ، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواء .
هامش
( 1 ) المرة : القوة التي حصلت للحبل ونحوه إذا ضمت الطاقات إلى بعضها مرة بعد مرة . ( 2 ) يعني حين كان يأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غار حراء . فقد رآه في المرة الأولى في الأفق الأعلى . ثم صار يدنو كل يوم منه شيئا فشيئا حتى دخل عليه الغار في تمام الستة الأشهر التي كانت جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 846 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى