تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 845

مساهمون:

ص٨٤٥
السكر في سكره . وذلك عند استغراقه في شهود جماله وكماله ، فلا يبقى فيه متسع لسواه ، ولا فضل لغيره . فإذا رآه من لم يعرف حاله : ظنه سكرا ، فهذا استغراق في محبوبه وصفاته ونعوته . الحالة الثانية : حالة صحو ، يفيق فيها على عبوديته والقيام بمرضاته ، كالمسارعة إلى محابه ، فهو في هذا الحال به ، أي متصرف في أوامره ومحابه به ، ليس غائبا عنه بأوامره ، ولا غائبا به عن أوامره . فلا يشغله واجب أو أمر وحقوقه عن واجب محبته ، والإنابة إليه ، والرضى به ، ولا يشغله واجب حبه عن أوامره . بل هو مقتد بإمام الحنفاء إبراهيم الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه . فإنه كان في أعلى مقامات المحبة - وهي الخلة - ولم يشغله ذلك عن القيام بخصال الفطرة : من الختان ، وقص الشارب ، وتقليم الأظافر . فضلا عما هو فوق ذلك . فوفى المقامين حقهما . ولهذا أثنى اللّه عليه بذلك . فقال :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
[ النّجم : 37 ] . قوله « وكلما كان في عين الحق لم يخل من حيرة » . يريد بذلك : تفضيل مقام « الصحو » على مقام « السكر » ورفعه عليه . وأن السكر لما كان في عين الحق كان مستلزما لنوع من الحيرة . ثم استدرك فقال « لا حيرة الشبهة » فإنها تنافي أصل عقد الإيمان « ولكن حيرة مشاهدة نور العزة » وهي دهشة تعتري الشاهد لأمر عظيم جدا ، لا عهد له بمثله ، بخلاف مقام « الصحو » فإنه - لقوته وثباته وتمكنه - لا يعرض له ذلك . وحاصل كلامه : أن من كان ناظرا في عين الحقيقة لزمته الحيرة . وهي حيرة مشاهدة أنوار العزة . لا حيرة من ضل عن طريق مقصوده . فإن الشبهة هي اشتباه الطريق على السالك ، بحيث لا يدري : أعلى حق هو ، أم على باطل ؟ وقد تقدم بيان أن مشاهدة نور الذات المقدسة في هذه الدار محال . فلا نعيده . قوله « وما كان بالحق لم يخل من صحة ، ولم تحف عليه نقيصة ، ولم تتعاوره علة » هذا تقرير منه لرفع مقام « الصحو » على مقام « السكر » فإنه لما كان باللّه : كان محفوظا ، محروسا من النفس والشيطان اللذين هما مصدر كل باطل ، وهذا الحفظ هو معنى قوله « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » فأين الباطل ها هنا ؟ ثم قال « فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي » تحقيقا لحفظ سمعه وبصره وبطشه ومشيه . قوله « ولم تتعاوره علة » « التعاور » الاختلاف ، أي لم تتخالف عليه العلل ، و « العلل » ملاحظة الأغيار ، وطاعة القلب للسوى ، وإجابته لداعيه . قوله « والصحو : من منازل الحياة ، وأودية الجمع ، ولوائح الوجود » هذا تقرير أيضا لرفع مقامه على مقام السكر . وقد تقدم ذكر الحياة ومراتبها وأقسامها . والمناسبة بين الصحو والحياة : أن الحياة هي المصححة لجميع المقامات والأحوال . فهي التي ترمي على جميعها كما ترمي الأودية أمواهها على البحار . قوله « وأودية الجمع » « الجمع » يراد به جمع الوجود ، وجمع الشهود ، وجمع الإرادة . فالأول : جمع أهل الإلحاد الاتحادية . والثاني : جمع أهل الفناء . والثالث : جمع الرسل وورثتهم ، كما سيأتي تفصيل ذلك في باب « الجمع » إن شاء اللّه تعالى . فالصحو من أودية الجمع العالي ، لا النازل ، ولا المتوسط .