وهذا موضع زلت فيه أقدام ، وضلت فيه أفهام . ولا بد من تحقيقه .
فنقول - وباللّه التوفيق . ومنه الاستمداد - وهو المستعان :
هذا المثال غير مطابق . فإن الوصول إلى البيت : هو غاية الطريق . فإذا وصل فقد انقطعت طريقه ، وانتهى سفره . وليس كذلك الوصول إلى اللّه ، فإن العبد إذا وصل إلى اللّه جذبه سيره ، وقوي سفره . فعلامة الوصول إلى اللّه : الجد في السير ، والاجتهاد في السفر ، وهذا الموضع هو مفرق الطريقين بين الموحدين والملحدين ، فالملحد يقول : السفر وسيلة . والاشتغال بالوسيلة بعد الوصول إلى الغاية بطالة . ومتى وصل العبد سقطت عنه أحكام السفر . وصار كما قيل :
فألقت عصاها . واستقر بها النوى * كما قرّ عينا بالإياب المسافر
ودعي بعض هؤلاء إلى الصلاة ، وقد أقيمت . فقال :
يطالب بالأوراد من كان غافلا * فكيف بقلب كل أوقاته ورد ؟
وقيل لملحد آخر منهم : ألا تصلي ؟ فقال : أنتم مع أورادكم . ونحن مع وارداتنا . وهؤلاء هم الذين صاح بهم أئمة الطريق ، وأخرجوهم من دائرة الإسلام . وقال بعضهم : نعم وصلوا .
ولكن إلى الشيطان ، لا إلى الرحمن .
وقال آخر : وصلوا ، ولكن إلى سقر .
فكل واصل إلى اللّه : فهو طالب له ، وسالك في طريق مرضاته .
نعم بداية الأمر الطلب ، وتوسطه السلوك ، ونهايته الوصول ، وسيأتي بيان حقيقة الوصول الذي يشير إليه القوم في الباب الذي يلي هذا . إن شاء اللّه تعالى .
والمقصود : أن قوله « مغن عن الطلب » كلام يحتاج إلى تأويل . وحمل على معنى يصح .
فإما أن يحمل على أنه مغن عن تكلف الطلب . فلا يريد هذا على هذا المعنى .
وإما أن يحمل على أنه مغن عن رؤيته . وهذا أقرب ، ولكن لا يريده .
وإما أن يحمل على أنه قد وصل إلى مشاهدة الأولية ، حيث تنطوي الأكوان والأسباب ، ولا يبقى للطلب تأثير البتة . فإنه من عين الجود ، وحصول المطلوب لم يكن موقوفا عليه ولا به ، وإنما هو ممن وجود كل شيء به وحده ، فهو الموجد والمعدّ والممدّ ، وبيده الأسباب وسببيتها ، وقواها وموانعها ومعارضها ، فالأمر كله له وبه ، ومصيره إليه ، فهذا معنى صحيح في نفسه .
ولكن صاحب هذا المقام لا يستغني عن الطلب .
قوله « طاهر من الحرج » أي خال منه ، لا حرج عليه . لأنه قائم بوظائف العبودية في سكره وصحوه .
قوله « فإن السكر : إنما هو في الحق . والصحو : إنما هو بالحق » .
يريد : أن السكر إنما هو في محبته والشوق إليه ، فقلبه مستغرق في الحب ، والصحو : إنما هو بالحق ، أي بوجوده ، وهذا كلام يحتاج إلى شرح وبيان وعبارة وافية . فنقول - واللّه المستعان :
المحب له حالتان الحالة الأولى : حالة استغراق في محبة محبوبه ، كاستغراق صاحب