تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 843

مساهمون:

ص٨٤٣
الأمر إلى أهل السماء السابعة . فيسألون جبريل : يا جبريل ، ماذا قال ربنا ؟ فيقول : قال الحق . وهو العلي الكبير . قال « الصحو : فوق السكر . وهو يناسب مقام البسط . والصحو : مقام صاعد عن الانتظار ، مغن عن الطلب ، طاهر من الحرج ، فإن السكر إنما هو في الحق ، والصحو : إنما هو بالحق ، كل ما كان في عين الحق لم يخل من حيرة . لا حيرة الشبهة ، بل حيرة مشاهدة نور العزة ، وما كان بالحق لم يخل من صحة . ولم تحف عليه نقيصة ، ولم تتعاوره علّة . والصحو : من منازل الحياة . وأودية الجمع ولوائح الوجود » . قوله « الصحو فوق السكر » يعني : أن السكر يكون في الانفصال . والصحو في الاتصال . وأيضا فالسكر فناء . والصحو بقاء . وأيضا فالسكر غيبة والصحو حضور ، وأيضا فالسكر غلبة . والصحو تمكن ، وأيضا فالسكر كالنوم والصحو كاليقظة . وبعضهم يفضل مقام « السكر » على مقام « الصحو » ويقول : لولا البقية التي بقيت فيه لما صحا . وينشد متمثلا :
ومهما بقي للصحو فيك بقية * يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل
وهذا غلط محض ، لما ذكرنا . نعم « السكر » فوق « الصحو » الفارغ . والسكران بالمحبة خير من الصاحي منها . والصاحي بها خير من السكران فيها . قوله « وهو يناسب مقام البسط » وجه المناسبة بينهما : أن الانبساط لا يكون إلا مع الصحو ، وإلا فالسكر لا يحتمل الانبساط . قوله « والصحو : مقام صاعد عن الانتظار » يعني : انتظار الحضور . فإن الصاحي متمكن في الحضور . ولذلك أشبه مقامه مقام البسط ، فالصحو أعلى من أن يصحبه الانتظار . لأن صاحبه قد اتصل ، فهو لا ينتظر الاتصال . ولذلك قال « مغن عن الطلب » فإن الطالب إنما يطلب الوصول إلى مطلوبه . وهذا قد اتصل . فصحوه مغن له عن طلبه . وهذا الكلام ليس على إطلاقه . فإن الطلب لا يفارق العبد ما دامت الحياة تصحبه . نعم صحوه مغن عن طلب حظ من حظوظه ، وأما طلب محاب محبوبه ومراضيه : فهو أكمل ما يكون لها طلبا . فإن قيل : إن مراد الشيخ : أنه مغن عن التوجه والسلوك . فإنه واصل والسالك لا يزال في الطريق . قلت : العبد لا يزال في الطريق حتى يلحق اللّه تعالى . قال اللّه تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر : 99 ] وهو الموت بإجماع أهل العلم كلهم . قال الحسن : لم يجعل اللّه لعباده المؤمنين أجلا دون الموت . وتقسيم أبناء الآخرة إلى « طالب » و « سالك » و « واصل » صحيح باعتبار . فاسد باعتبار . فكأنهم جعلوا السير إلى اللّه تعالى بمنزلة السير إلى بيته . فالناس ثلاثة : طالب للسفر ، ومسافر في الطريق ، وواصل إلى البيت .