تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 842

مساهمون:

ص٨٤٢
قال أبو المنجاب : رأيت في الطواف فتى نحيف الجسم ، بيّن الضعف . يلوذ ويتعوذ . وينشد :
وودت بأن الحب يجمع كله * فيقذف في قلبي ، وينغلق الصدر ولا ينقضي ما في فؤادي من الهوى * ومن فرحي بالحب ، أو ينقضي العمر
والأخبار في المحبين وأشعارهم في ذلك أكثر من أن تحصى ، هذا وكل منهم معذب بمحبوبه سوى الحق سبحانه ، ولو ظفر بوصاله ، فما الظن بمن قصر حبّه على الحبيب الأول ؟ وكلما دعته نفسه إلى محبة غيره تمثل بقول القائل :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحبّ إلا للحبيب الأول
قوله « والصبر هائم » أي يكون غريقا في سروره بالمحبة وصبره مفقود . و « الهيمان » هو التشتت والحيرة . قوله « وما سوى هذا فحيرة تنحل اسم السكر جهلا ، أو هيمانا يسمى باسمه جورا » يقول : وما سوى ما ذكرناه من العلامات الثلاث - وإن كان من المحبة - إلا أنه لا ينبغي أن يسمى سكرا ، مثل الحياة . فإنها تعطي اسم « السكر » عند الجهال . ومثل « الهيمان » فإنه يسميه من لا يعرف السكر سكرا . وذلك جور وخروج عن التحقيق ، وعدول عن الصواب . قوله « وما سوى ذلك فكله يناقض البصائر ، كسكر الحرص ، وسكر الجهل ، وسكر الشهوة » أي هذه الأنواع من « السكر » أنواع مذمومة ، تناقض البصائر ، فسكر الحرص : ينشأ من شدة الرغبة في الدنيا ، وعدم الزهد فيها ، والحريص عليها سكران في صورة صاح ، وكذلك سكر الجهل ، فإن الجهل جهلان : جهل العلم ، وجهل العمل ، فإذا تحكم الجهلان فلا تسأل عن سكر صاحبهما ، وكذلك سكر الشهوة . فإن لها سكرا أشد من سكر الخمر ، وكذلك سكر الغضب ، وسكر الفرح ، وكذلك سكر السلطان والرئاسة ، فإن للرئاسة سكرا وعربدة لا تخفى ، وكذلك الشباب له سكرة قوية ، وهي شعبة من الجنون ، وكذلك الخوف ، له سكرة تحول بين الخائف وبين حكم العقل :
سكرات خمس . إذا مني المر * ء بها صار ضحكة للزمان سكرة الحرص ، والحداثة ، والعش * ق ، وسكر الشراب ، والسلطان
وآخر ذلك : سكرة الموت التي تأتي بالحق :
هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
[ يونس : 30 ] .

باب الصّحو

قال صاحب المنازل : « ( باب الصحو ) قال اللّه تعالى :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
[ سبإ : 23 ] » . وجه استدلاله بإشارة الآية : أن اللّه سبحانه إذا تكلم بالوحي صعقت الملائكة ، وأخذهم شبه الغشي من تكلم الرب جل جلاله ، فإذا كشف الفزع عن قلوبهم ، وخلّى عنها ، وأفاقوا من ذلك الغشي ، قال بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم ؟ فيستخبر كل أهل سماء من يليهم . حتى ينتهي