تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 840

مساهمون:

ص٨٤٠
والحاصل : أن « الفناء » استغراق محض . و « السكر » معه لذة وطرب لا يتمالك صاحبها ، ولا يقدر أن يفنى عنها . والمقصود : أن السكر ليس من أعلى مقامات العارفين الواصلين ، لأن أعلى مقاماتهم : هو « الفناء » عنده . فمقامهم لا يقبل السكر . قوله « ومنازل العلم لا تبلغه » صحيح . فإن علم المحبة والشوق والعشق شيء ، وحال المحبة شيء آخر ، والسكر لا ينشأ عن علم المحبة . وإنما ينشأ عن حالها ، فكأنه يقول : السكر صفة وحالة نقص لمن مقامه فوق مقام العلم ، ودون مقام الشهود والفناء ، وهو مختص بالمحبة ، لأن المحبة هي آخر منزلة يلتقي فيها مقدمة العامة - وهم أهل طور العلم - وساقة الخاصة - وهم أهل طور الشهود والفناء - فالبرزخ الحاصل بين المقامين : هو مقام المحبة . فاختص به السكر .

علاقات السكر

قال « وللسكر ثلاث علامات : الضيق عن الاشتغال بالخبر ، والتعظيم قائم . واقتحام لجة الشوق ، والتمكن دائم . والغرق في بحر السرور ، والصبر هائم » . يريد : أن المحب تشغله شدة وجده بالمحبوب ، وحضور قلبه معه ، وذوبان جوارحه من شدة الحب عن سماع الخبر عنه . وهذا الكلام ليس على إطلاقه ، فإن المحب الصادق أحب شيء إليه : الخبر عن محبوبه وذكره . كما قال عثمان بن عفان رضي اللّه عنه « لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام اللّه » وقال بعض العارفين : كيف يشبعون من كلام محبوبهم ، وهو غاية مطلوبهم ؟ . والذي يريده الشيخ وأمثاله بهذا : أن المحب الصادق يمتلئ قلبه بالمحبة ، فتكون هي الغالبة عليه . فتحمله غلبتها وتمكنها على أن لا يغفل عن محبوبه ، ولا يشتغل قلبه بغيره البتة . فيسمع من الفارغين ما ورد في حق المحبين ، ويسمع منهم أوصاف حبيبه والخبر عنه ، فلا يكاد يصبر على أن يسمع ذلك أبدا ، لضيق قلبه عن سماعه من قلب غافل ، وإلا فلو سمع هذا الخبر من هو شريكه في شجوه وأنيسه في طريقه ، وصاحبه في سفره : لما ضاق عنه . بل لاتسع له غاية الاتساع . فهذا وجه . ووجه ثان ، وهو : أن السكران بالمحبة قد امتلأ قلبه بمشاهدة المحبوب ، فاجتمعت قوى قلبه وهمه وإرادته عليه ، ومعاني الخبر فيها كثيرة ، وانتقال من معنى إلى معنى ، فقلبه يضيق في هذه الحال عنها حتى إذا صحا اتسع قلبه لها . قوله « والتعظيم قائم » أي ضيق قلبه عن اشتغاله بالخبر ليس اطراحا له ورغبة عنه ، وكيف ؟ وهو خبر عن محبوبه واردا منه ؟ بل لضيقه في تلك الحال عن الاشتغال به ، وتعظيمه قائم في قلبه ، فهو مشغول بوجده وحاله عما يفرقه عنه ، وهذا يحسن إذا كان المشتغل به أحب إلى حبيبه من المشتغل عنه ، فأما إذا كان ما أعرض عنه أحب إلى الحبيب مما اشتغل به : فشرع المحبة يوجب عليه إيثار أعظم المحبوبين إلى حبيبه ، وإلا كان مع نفسه ووجده ولذته . قوله « واقتحام لجة الشوق والتمكن دائم » اقتحام لجة الشوق : هو ركوب بحره ، وتوسطه ، لا الدخول في حاشيته وطرفه ، و « التمكن » المشار إليه : هو لزوم أحكام العلم من العمل به ،
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 840 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى