المحبوب . ويصمّ عن سماع العذل واللوم فيه . وإذا تمكن واستمكن أعمى قلبه وأصمه بالكلية .
وهذا أبلغ من السكر ، فإذا انضم إلى سكر المحبة فرحة الوصال : قوي السكر وتضاعف ، فيخرج صاحبه عن حكم العقل وهو لا يشعر ، وأكثر ما ترى من عربدة العاشق وتخليطه : هو من هذا السكر ، ولكن لما ألف الناس ذلك ، واشتركوا فيه : لم ينكروه ، وإنما ينكره من كان خارجا عنه .
فإذا أفاقوا بين الأموات علموا أنهم حينئذ كانوا في سكرتهم يعمهون .
ومن أقوى أسباب السكر ، الموجبة له : سماع الأصوات المطربة ، لا سيما إن كانت من صورة مستحسنة . وصادفت محلا قابلا ، فلا تسأل عن سكر السامع .
وهذا السكر يحدث عندها من جهتين :
إحداهما : أنها في نفسها توجب لذة قوية ينغمر معها العقل .
الثانية : أنها تحرك النفس إلى نحو محبوبها وجهته ، كائنا ما كان . فيحصل بتلك الحركة والشوق والطلب - مع التخيّل للمحبوب ، وإحضاره في النفس ، وإدناء صورته إلى القلب ، واستيلائها على الفكر - : لذة عظيمة تقهر العقل . فتجتمع لذة الألحان ، ولذة الأشجان ، فتسكر الروح سكرا عجيبا ، أقوى وألذ من سكر الشراب ، وتحصل به نشوة ألذ من نشوة الشراب .
ومن هاهنا استشهد الشيخ على « السّكر » بقول موسى عليه السلام لما سمع كلام الرب جلّ جلاله :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] وقد ذكر الإمام أحمد وغيره : أن اللّه سبحانه وتعالى يقول يوم القيامة لداود « مجدني بذلك الصوت الذي كنت تمجدني به في الدنيا . فيقول : يا رب ، كيف ؟ وقد أذهبته المعصية ؟ فيقول اللّه تعالى : أنا أرده عليك . فيقوم عند ساق العرش فيمجده . فإذا سمع أهل الجنة صوته استفرغ نعيم أهل الجنة » وأعظم من ذلك : إذا سمعوا كلام الرب جل جلاله وخطابه لهم منه إليهم بلا واسطة . وقد ذكر عبد اللّه بن أحمد في كتاب « السنة » أثرا في ذلك « كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن جل جلاله » .
فإذا انضاف إلى ذلك : رؤيتهم وجهه الكريم - الذي تغنيهم لذة رؤيته عن الجنة ونعيمها - فأولا لا تدركه العبارة ، ولا قليلا من كثير ، فهذا صوت لا يلج كل أذن ، وصيّب لا تحيا به كل أرض ، وعين لا يشرب منها كل وارد ، وسماع لا يطرب عليه كل سامع ، ومائدة لا يجلس عليها طفيلي .
فلنرجع إلى ما نحن بصدده . فنقول :
« السكر » سببه اللذة القاهرة للعقل ، وسبب اللذة : إدراك المحبوب . فإذا كانت المحبة قوية ، وإدراك المحبوب قويا : كانت اللذة بإدراكه تابعة لقوة هذين الأمرين . فإذا كان العقل قويا مستحكما : لم يتغير لذلك . وإن كان ضعيفا : حدث السكر المخرج له عن حكمه ، فقد يضاف إلى قوة الوارد . وقد يضاف إلى ضعف المحل ، وقد يجتمع الأمران .
قال صاحب المنازل « وعيون الفناء لا تقبله . ومنازل العلم لا تبلغه » .
لما كان الفناء يفني من العبد كل ما سوى مشهوده . ويفني معاني كل شيء ، وكان السكر كما حده : بأنه سقوط التمالك في الطرب - كان في السكران بقية طرب بها ، وأحس بها بطربه ، بحيث لم يتمالك في الطرب ، و « الفناء » يأبى ذلك ، فحقائقه لا تقبل السكر .