تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 833

مساهمون:

ص٨٣٣
الأسباب . وهم في واد والناس في واد . فمشاركتهم إياهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم ، وعن إدراك حقائقهم فهم تحت ستور المشاركة :
ووراء هاتيك الستور محجب * بالحسن كل العز تحت لوائه لو أبصرت عيناك بعض جماله * لبذلت منك الروح في إرضائه ما طابت الدنيا بغير حديثه * كلا ، ولا الأخرى بدون لقائه يا خاسرا ، هانت عليه نفسه * إذ باعها بالغبن من أعدائه لو كنت تعلم قدر ما قد بعته * لفسخت ذاك البيع قبل وفائه أو كنت كفوا للرشاد وللهدى * أبصرت لكن لست من أكفائه
قوله « وفرقة قبضهم منهم إليه ، فصافاهم مصافاة سرّ ، فضنّ بهم عليهم » هذه الفرقة إنما كانت أعلى من الفرقتين المتقدمتين : لأن الحق سبحانه قد سترهم عن نفوسهم ، لكمال ما أطلعهم عليه ، وشغلهم به عنهم ، فهم في أعلى الأحوال والمقامات ، ولا التفات لهم إليها ، فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه ، لا مع سواه ، فلم يكونوا من السوى ولا السوى منهم ، بل هم مع السوى بالمجاورة والامتحان ، لا بالمساكنة والألفة ، قلوبهم عامرة بالأسرار ، وأرواحهم تحنّ إليه حنين الطيور إلى الأوكار ، قد سترهم وليهم وحبيبهم عنهم ، وأخذهم إليه منهم . قوله « فصافاهم مصافاة سر » أي جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبهم للطف إدراكهم . فلم تظهر عليهم في ظواهرهم لقوة الاستعداد . قوله « فضن بهم عليهم » أي أخذهم عن رسومهم ، فأفناهم عنهم . وأبقاهم به . وقد علمت من هذا : أن « القبض » المشار إليه في هذا الباب : ليس هو « القبض » الذي يشير إليه القوم في البدايات والسلوك . واللّه أعلم .

باب البسط

قال صاحب المنازل : « ( باب البسط ) قال اللّه تعالى :
يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ
[ الشّورى : 11 ] » . قلت : وجه تعلقه بإشارة الآية : هو أن اللّه سبحانه يعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة . قال الكلبي : يكثركم في هذا التزويج . ولولا هذا التزويج لم يكثر النسل . والمعنى : يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر : من جعله لكم أزواجا . فإن سبب خلقنا وخلق الحيوان : بالأزواج ، والضمير في قوله « فيه » يرجع إلى الجعل . ومعنى « الذرء » الخلق ، وهو هنا الخلق الكثير ، فهو خلق وتكثير . فقيل « في » بمعنى الباء ، أي يكثركم بذلك . وهذا قول الكوفيين . والصحيح : أنها على بابها . والفعل تضمن معنى « ينشئكم » وهو يتعدى بفي . كما قال تعالى
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
[ الواقعة : 61 ] فهذا تفسير الآية . ولما كانت الحياة حياتين : حياة الأبدان ، وحياة الأرواح ، وهو سبحانه الذي يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه ولطفه وبسطه - كان ذلك تنمية لها وتكثيرا وذرءا . واللّه أعلم . قال صاحب المنازل : « البسط : أن يرسل شواهد العبد في مدارج العلم . ويسبل على باطنه