تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 830

مساهمون:

ص٨٣٠
وفيها وجه آخر ، وهو : أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه ، وهي الأجرام التي تلقي الظلال . فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه ، كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه . وقوله تعالى :
قَبَضْناهُ إِلَيْنا
قبضناه إلينا » كأنه يشعر بذلك . وقوله « قبضا يسيرا » يشبه قوله :
ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ
[ ق : 44 ] وقوله « قبضناه » بصيغة الماضي لا ينافي ذلك . كقوله :
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النّحل : 1 ] والوجه في الآية هو الأول . وهذان الوجهان : إن أراد من ذكرهما دلالة الآية عليهما - إشارة وإيماء - فقريب . وإن أراد أن ذلك هو المراد من لفظها : فبعيد . لأنه سبحانه جعل ذلك آية ودلالة عليه للناظر فيه ، كما في سائر آياته التي يدعو عباده إلى النظر فيها . فلا بد أن يكون ذلك أمرا مشهودا تقوم به الدلالة . وتحصل به التبصرة . وأبعد من هذا : ما تعلق به صاحب المنازل في « باب القبض » بقبض الظل كما أشار إليه في خطبة كتابه . حيث يقول « الذي مد ظل التكوين على الخليقة مدّا طويلا ، ثم جعل شمس التمكين لصفوته عليه دليلا ، ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا » فاستعار للتكوين لفظ « الظل » إعلاما بأن المكونات بمنزلة الظلال في عدم استقلالها بأنفسها ، إذ لا يتحرك الظل إلا بحركة صاحبه ، وقوله « مدا طويلا » إشارة إلى أنه سبحانه لا يزال يخلق شيئا بعد شيء خلقا لا يتناهى ، لسعة قدرته ، ووجوب أبديته . ثم إن حقيقة « الظل » هي عدم الشمس في بقعة ما ، لساتر سترها ، فإنما تتعين تلك الحقيقة بالشمس ، فكذلك المكوّن إنما تتعين حقيقته بالمكون له سبحانه وتعالى . و « شمس التمكين » هي التوحيد الجامع لقلوب صفوته عن التفرق في شعاب ظل التكوين « ثم قبض ظل التفرقة عنهم إليه قبضا يسيرا » أي أخذ ظل التفرقة عنهم أخذا سهلا . فالشيخ أحال - باستشهاده بالآية في الباب المذكور - على ما تقدم له في الخطبة ووجه الإشارة بالآية يعلم من قوله :
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا
[ الفرقان : 46 ] و « القبض » في هذا الباب : لم يرد به قبض الإضافة . ولهذا قال الشيخ : « القبض في هذا الباب : اسم يشار به إلى مقام الضنائن الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه » . فالقبض نوعان : قبض في الأحوال ، وقبض في الحقائق . فالقبض في الأحوال : أمر يطرق القلب يمنعه عن الانبساط والفرح . وهو نوعان أيضا : أحدهما : ما يعرف سببه ، مثل تذكر ذنب ، أو تفريط ، أو بعد ، أو جفوة أو حدوث ما هو نحو ذلك . والثاني : ما لا يعرف سببه . بل يهجم على القلب هجوما لا يقدر على التخلص منه . وهذا هو القبض المشار إليه على ألسنة القوم ، وضده « البسط » فالقبض والبسط عندهم حالتان للقلب لا يكاد ينفك عنهما . وقال أبو القاسم الجنيد : في معنى القبض والبسط معنى الخوف والرجاء . فالرجاء : يبسط إلى الطاعة ، والخوف : يقبض عن المعصية .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 830 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى