تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 831

مساهمون:

ص٨٣١
فكلهم تكلم في « القبض والبسط » على هذا المنهج حتى جعلوه أقساما : قبض تأديب ، وقبض تهذيب ، وقبض جمع ، وقبض تفريق ، ولهذا يمتنع صاحبه - إذا تمكن منه - من الأكل ، والشرب ، والكلام ، وفعل الأوراد ، والانبساط إلى الأهل وغيرهم . فقبض التأديب : يكون عقوبة على غفلة ، أو خاطر سوء ، أو فكرة رديئة . وقبض التهذيب : يكون إعدادا لبسط عظيم شأنه : يأتي بعده ، فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدمة له . كما كان « الغتّ والغطّ » مقدمة بين يدي الوحي ، وإعدادا لوروده . وهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج ، والبلاء مقدمة بين يدي العافية ، والخوف الشديد مقدمة بين يدي الأمن . وقد جرت سنة اللّه سبحانه : أن هذه الأمور النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضدادها . وأما قبض الجمع : فهو ما يحصل للقلب حال جمعيته على اللّه من انقباضه عن العالم وما فيه . فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع قلبه عليه ، وفي هذه الحال من أراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه . وأما قبض التفرقة : فهو القبض الذي يحصل من تفرق قلبه عن اللّه ، وتشتته عنه في الشعاب والأودية ، فأقل عقوبته : ما يجده من القبض الذي يتمنى معه الموت . وأما القبض الذي أشار إليه صاحب المنازل : فهو شيء وراء هذا كله . فإنه جعله من قسم الحقائق ، وذلك القبض الذي تقدم ذكره من قسم البدايات ، ولهذا قال « القبض في هذا الباب : اسم يشار به إلى مقام الضنائن » ومن هنا حسن استشهاده بإشارة الآية . لأنه تعالى أخبر عن قبض الظل إليه . و « القبض » في هذا الباب يتضمن قبض القلب عن غيره إليه ، وجمعيته بعد التفرقة عليه . و « الضنائن » جمع ضنينة . وهي الخاصة ، يضنّ بها صاحبها . أي يبخل ببذلها ويصطفيها لنفسه . ولهذا قال « الذين ادخرهم الحق اصطناعا لنفسه » . و « الادخار » افتعال من الذخر ، وهو ما يعده المرء لحوائجه ومصالحه . و « الاصطناع » بمعنى الاصطفاء . قال تعالى لموسى :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
[ طه : 41 ] والاصطناع في الأصل : اتخاذ الصنيعة . وهي الخير تسديه إلى غيرك . قال الشاعر :
وإذا اصطنعت صنيعة ، فاقصد بها * وجه الذي يولي الصنائع ، أودع
قال ابن عباس : اصطنعتك لوحيي ورسالتي . وقال الكلبي : اخترتك بالرسالة لنفسي ، لكي تحبني وتقوم بأمري . وقيل : اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي ، فتكلم عبادي عني . قال أبو إسحاق : اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي ، وجعلتك بيني وبين خلقي ، حتى صرت في الخطاب والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم . وقيل : مثّل حاله بحال من يراه بعض الملوك - لجوامع خصال فيه وخصائص - أهلا لكرامته وتقريبه . فلا يكون أحد أقرب منه منزلة إليه ، ولا ألطف محلا ، فيصطنعه بالكرامة والأثرة ، ويستخلصه لنفسه ، بحيث يسمع به ، ويبصر به . ويطلع على سره .