رداء الاختصاص . وهم أهل التلبيس ، وإنما بسطوا في ميدان البسط ، بعد ثلاث معان . لكل معنى طائفة »
يريد : أن البسط إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم ، ويكون باطنه مغمورا بالمراقبة والمحبة والأنس باللّه ، فيكون جماله في ظاهره وباطنه ، فظاهره قد اكتسى الجمال بموجب العلم ، وباطنه قد اكتسى الجمال بالمحبة والرجاء والخوف ، والمراقبة والأنس ، فالأعمال الظاهرة له دثار ، والأحوال الباطنة له شعار ، فلا حاله ينقص عليه ظاهر حكمه ، ولا علمه يقطع وارد حاله . وقد جمع سبحانه بين الجمالين - أعني جمال الظاهر وجمال الباطن - في غير موضع من كتابه .
منها : قوله تعالى :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
[ الأعراف : 26 ] .
ومنها : قوله تعالى في نساء الجنة :
فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ
[ الرّحمن : 70 ] فهن حسان الوجوه ، خيرات الأخلاق .
ومنها : قوله تعالى :
وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً
[ الإنسان : 11 ] فالنضرة جمال الوجوه والسرور جمال القلوب .
ومنها : قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] فالنضرة تزين ظواهرهم ، والنظر يجمل بواطنهم .
ومنها : قوله تعالى :
وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
[ الإنسان : 21 ] فالأساور جملت ظواهرهم . والشراب الطهور طهر بواطنهم .
ومنها : قوله تعالى :
إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( 6 ) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
( 7 ) [ الصّافات : 6 ، 7 ] فجمل ظاهرها بالكواكب ، وباطنها بالحراسة من الشياطين .
رجعنا إلى شرح كلامه .
قوله « وهم أهل التلبيس » يعني : أنهم المذكورون في باب « القبض » وهم الفرقة الثانية الذين ستروا بلباس التلبيس عن أعين الناس . فلا ترى حقائقهم .
قوله « وإنما بسطوا في ميدان البسط » أي بسطهم الحق سبحانه على لسان رسوله ، لا ما يظنه الملحد : أنه السماع الشهي ، وملاحظة المنظر البهي ، ورؤية الصور المستحسنات . وسماع الآلات المطربات .
نعم هذا ميدان بسطه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن ، فميدان الرحمن الذي بسطه : هو الذي نصبه لأنبيائه وأوليائه ، وهو ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أصحابه وأهله ، ومع الغريب والقريب ، وهي سعة الصدر ، ودوام البشر ، وحسن الخلق ، والسلام على من لقيه ، والوقوف مع من استوقفه ، والمزاح بالحق مع الصغير والكبير أحيانا .
وإجابة الدعوة ، ولين الجانب ، حتى يظن كل واحد من أصحابه : أنه أحبهم إليه ، وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبا ، أو مستحبا ، أو مباحا يعين عليهما .
قوله : « فطائفة بسطت رحمة للخلق . يباسطونهم ويلابسونهم . فيستضيئون بنورهم .
والحقائق مجموعة ، والسرائر مصونة »