تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 835

مساهمون:

ص٨٣٥
جعل اللّه انبساطهم مع الخلق رحمة لهم ، كما قال تعالى :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
[ آل عمران : 159 ] فالرب سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه . ليقتدي بهم السالك ، ويهتدي بهم الحيران ، ويشفى بهم العليل ، ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطبع والهوى . فالسالكون يقتدون بهم إذا سكتوا . وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا ، فإن حركاتهم وسكونهم لما كانت باللّه وللّه ، وعلى أمر اللّه : جذبت قلوب الصادقين إليهم ، وهذا النور الذي أضاء على الناس منهم : هو نور العلم والمعرفة . والعلماء ثلاثة : عالم استنار بنوره ، واستنار به الناس ، فهذا من خلفاء الرسل ، وورثة الأنبياء ، وعالم استنار بنوره ، ولم يستنر به غيره ، فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصرا على نفسه . فبينه وبين الأول ما بينهما ، وعالم لم يستنر بنوره ، ولا استنار به غيره ، فهذا علمه وبال عليه ، وبسطته للناس فتنة لهم ، وبسطة الأول رحمة لهم . قوله « والحقائق مجموعة ، والسرائر مصونة » أي انبسطوا والحقائق التي في سرائرهم مجموعة في بواطنهم . فالانبساط لم يشتت قلوبهم ، ولم يفرق هممهم ، ولم يحلّ عقد عزائمهم . قوله « وسرائرهم مصونة » مستورة لم يكشفوها لمن انبسطوا إليه ، وإن كان البسط يقتضي الإلف ، واطلاع كل من المتباسطين على سر صاحبه ، فإياك ثم إياك أن تطلع من باسطته على سرك مع اللّه ، ولكن اجذبه وشوّقه ، واحفظ وديعة اللّه عندك ، لا تعرضها للاسترجاع . قال : « وطائفة بسطت لقوة معاينتهم ، وتصميم مناظرهم ، لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم ، ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم ، فهم مبسوطون في قبضة القبض » . إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها : لأن ما قبلها لأرباب الأعمال ، وهذه لأرباب الأحوال ، بسطت الأولى : رحمة للخلق . وبسطت هذه : اختصاصا بالحق . وقوله « لقوة معاينتهم » إما أن يكون المعنى : لقوة إدراك معاينتهم ، أو لقوة ظهور معاينتهم لبواطنهم ، أو لقوتها وبيانها في نفسها . والمعنى : أنه لا يطمع البسط أن يحجبهم عن معاينة مطلوبهم ، لأن قوة المعاينة منعت وصول البسط إلى إزالتها وإضعافها . قوله « وتصميم مناظرهم » يعني ثبات مناظر قلوبهم وصحتها . فليسوا ممن يحول بين نظر قلوبهم وبين ما تراه قتر من شك . ولا غيم من ريب . فاللطيفة الإنسانية المدركة لحقيقة ما أخبروا به من الغيب صحيحة . وهي شديدة التوجه إلى مشهودها . فلم يقدر البسط على حجبها عن مشهودها . قوله « لأنهم طائفة لا تخالج الشواهد مشهودهم » أي لا تمازج الشواهد مشهودهم ، فيكون إدراكهم بالاستدلال ، بل مشهودهم حاضر لهم ، لم يدركوه بغيره . فلا تخالط مشاهدتهم له شواهد من غيره . والشواهد مثل الأمارات والعلامات . وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وبيان وتفصيل . فإن اللّه سبحانه أقام الشواهد عليه ، وملأ بها كتابه ، وهدى عباده إلى النظر فيها ، والاستدلال بها ، ولكن العارف إذا حصل له منها الدلالة ، ووصل منها إلى اليقين : انطوى