حكمها عن شهوده . وسافر قلبه منها إلى المطلوب المدلول عليه بها ، ورآها كلها أثرا من آثار أسمائه وصفاته وأفعاله . المشهود المدلول عليه بها معاينة القلب والبصيرة للصانع إذا عاين صنعته ، فكأنه يرى الباني وهو يبني ما شاهده من البناء المحكم المتقن . لأن الشواهد والأدلة تبطل ويبطل حكمها .
فتأمل هذا الموضع . فإنه قد غلظ فيه فريقان : فريق أساؤوا الظن بمن طوى حكم الشواهد والأدلة ، ونسبوهم إلى ما نسبوهم إليه ، وفريق رأوا أن الشواهد نفس المشهود ، والدليل عين المدلول عليه ، ولكن كان في الابتداء شاهدا ودليلا ، وفي الانتهاء مشهودا ومدلولا .
قوله « ولا تضرب رياح الرسوم موجودهم » شبه الرسوم بالرياح ، لأن معاني الصور الخلقية تمر على أهل الشهود الضعيف ، فتحرك بواطنهم بنوع من الشك والريب ، فهؤلاء الذين بسطهم الحق تعالى سالمون من ذلك .
قوله « فهم منبسطون في قبضة القبض » أي هم في حال انبساطهم غير محجوبين عن معاني القبض ، بل هم مبسوطون بقبضه إياهم عن غيره ، فلا يتنافى في حقهم البسط والقبض ، بل قبضهم إليه في بسطهم ، وبسطهم به في قبضهم ، وجعل للقبض « قبضة » ترشيحا للاستعارة .
قال « وطائفة بسطت أعلاما على الطريق ، وأئمة للهدى ، ومصابيح للسالكين » .
إنما كانت هذه الفرقة أعلى من الفرقتين : لأنها شاركتهما في درجتيهما ، واختصت عنهما بهذه الدرجة ، فاتصفت بما اتصفت به الأولى من الأعمال ، واتصفت بما اتصفت به الثانية من الأحوال ، وزادت عليهما بالنفع للسالكين ، والهداية للحائرين ، والإرشاد للطالبين ، فاهتدى بهم الحائر ، وسار بهم الواقف ، واستقام بهم الحاقد ، وأقبل بهم المعرض ، وكمل بهم الناقص ، ورجع بهم الناكص ، وتقوّى بهم الضعيف . وتنبه على المقصود من هو في الطريق . وهؤلاء هم خلفاء الرسل حقا . وهم أولو البصر واليقين ، فجمعوا بين البصيرة والبصر . قال اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ
[ السّجدة : 24 ] فنالوا إمامة الدين ، بالصبر واليقين .
باب السّكر
قال صاحب المنازل « ( باب السّكر ) قال اللّه تعالى ، حاكيا عن موسى كليمه :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] » .
وجه استدلاله بإشارة الآية : أن موسى لما استقر في قلبه وروحه ، وسمعه وبصره :
الاستلذاذ بكلام ربه له . فحصل له من سماع ذلك الكلام ، وطيب ذلك الخطاب ، ولذة ذلك التكليم : ما يجلّ ويعظم ويكبر أن يسمى سكرا ، أو يشبه بالسكر - : جرى على لسانه أن طلب الرؤية له سبحانه في تلك الحال .
قال « السّكر في هذا الباب : اسم يشار به إلى سقوط التمالك في الطرب . وهذا من مقامات المحبين خاصة ، فإن عيون الفناء لا تقبله ، ومنازل العلم لا تبلغه » .
قوله « يشار به إلى سقوط التمالك » يعني : عدم الصبر ، تقول : ما تمالكت أن أفعل كذا .