والمقصود : أن الرب سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلق بالخلق . وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه .
قال : « وهم على ثلاث فرق : فرقة قبضهم إليه ، قبض التوقي . فضنّ بهم عن أعين العالمين » .
هذا الحرف في « التوقي » بالقاف من الوقاية ، وليس من الوفاة ، أي سترهم عن أعين الناس ، وقاية لهم ، وصيانة عن ملابستهم ، فغيّبهم عن أعين الناس ، فلم يطلعهم عليهم ، وهؤلاء هم أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان . ولعلهم الذين قال فيهم النبي صلى اللّه عليه وسلم « يوشك أن يكون خير مال المرء غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر » وقوله « ورجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه . ويدع الناس من شره » وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعضها ، وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم : أفضل من هؤلاء ، فالعزلة : في وقت تجب فيه ، ووقت تستحب فيه ، ووقت تباح فيه ، ووقت تكره فيه ، ووقت تحرم فيه .
ويجوز أن يكون قبض التوفي - بالفاء - أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في الدنيا ، لكن لما لم يخالطوا الناس كانوا بمنزلة من قد توفّي وفارق الدنيا .
قال : « وفرقة قبضهم بسترهم في لباس التلبيس ، وأسبل عليهم أكلّة « 1 » الرسوم . فأخفاهم عن عيون العالم » .
هذه الفرقة : هم مع الناس مخالطون ، والناس يرون ظواهرهم ، وقد ستر اللّه حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها . فحالهم ملتبس على الناس لا يعرفونه ، فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا - من الأكل والشرب واللباس ، والنكاح ، وطلاقة الوجه ، وحسن العشرة - قالوا :
هؤلاء من أبناء الدنيا ، وإذا رأوا ذلك الجدّ والهمم ، والصبر والصدق ، وحلاوة المعرفة والإيمان والذكر ، وشاهدوا منهم أمورا ليست من أمور أبناء الدنيا ، قالوا : هؤلاء من أبناء الآخرة . فالتبس حالهم عليهم ، وهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم . لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليهم « اعرفوني » فهؤلاء يكونون مع الناس ، والمحجوبون لا يعرفونهم ، ولا يرفعون بهم رؤوسا . وهم من سادات أولياء اللّه « 2 » ، صانهم اللّه عن معرفة الناس كرامة لهم ، لئلا يفتتنوا بهم ، وإهانة للجهال بهم ، فلا ينتفعون بهم .
وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلا اللّه ، فهم بين الناس بأبدانهم ، وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم ، فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة ، فإن روح كل عبد تنتقل - بعد مفارقة البدن - إلى حضرة من كان يألفهم ويحبهم . فإن « المرء مع من أحبه » .
قوله « وأسبل عليه أكلّة الرسوم » أي أجرى عليهم أحكام الخلق يأكلون كما يأكلون .
ويشربون كما يشربون ، ويسكنون حيث يسكنون ، ويمشون معهم في الأسواق ، ويعانون معهم
هامش
( 1 ) بتشديد اللام : جمع كلة . وهي الستارة التي توضع على السرير أو الهودج . وتسمى الآن ناموسية .
( 2 ) لقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه من سادات أولياء اللّه في زمانه . فلماذا لم يكن من المخفيين . بل كان من المشهورين بدعوته إلى اللّه ، وبجهاده وصبره ؟ .