قوله « ونفس الانفراد ، وهو يورث الاتصال » .
نفس الانفراد : هو المصحوب بشهود الفردانية ، وهي تفرد الرب سبحانه بالربوبية والإلهية ، والتدبير والقيومية ، فلا يثبت لسواه قسطا في الربوبية ، ولا يجعل لسواه حظا في الإلهية ، ولا في القيومية ، بل يفرده بذلك في شهوده ، كما أفرده به في علمه ، ثم يفرده به في الحال التي أوجبها له الشهود ، فيكون اللّه سبحانه فردا في علم العبد ومعرفته ، فردا في شهوده ، فردا في حاله في شهوده .
وهذا النفس يورثه الاتصال بربه ، بحيث لا يبقى له مراد غيره ، ولا إرادة غير مراده الديني الذي يحبه ويرضاه ، فيستفرغ حبه قلبه ، وتستفرغ مرضاته سعيه ، وليس وراء ذلك مقام يلحظه النظارة ، لا بالقلب ولا بالروح .
فإن كمال هذا الاتصال ، والشغل بالحق سبحانه : قد استفرغ المقامات ، واستوعب الإشارات . واللّه المستعان .
باب القبض
قال صاحب المنازل :
« ( باب القبض ) قال اللّه تعالى
ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
[ الفرقان : 46 ] قلت : قد أبعد في تعلقه بإشارة لآية إلى « القبض » الذي يريده ، ولا تدل عليه الآية بوجه ما ، وإنما يشارك « القبض » المترجم عليه في اللفظ فقط ، فإن « القبض » في الآية : هو قبض الظل ، وهو تقلصه بعد امتداده .
قال اللّه تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً
( 46 ) [ الفرقان : 45 ، 46 ] فأخبر تعالى : أنه بسط الظل ومدّه ، وأنه جعله متحركا تبعا لحركة الشمس ، ولو شاء لجعله ساكنا لا يتحرك : إما بسكون المظهر له ، والدليل عليه ، وإما بسبب آخر . ثم أخبر : أنه قبضه - بعد بسطه - قبضا يسيرا ، وهو شيء بعد شيء . لم يقبضه جملة . فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته ، وكمال حكمته ، فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته ، وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته ، ولو شاء لجعله لاصقا بأصل ما هو ظل له من جبل وبناء وشجر وغيره ، فلم ينتفع به أحد .
فإن كان الانتفاع به تابعا لمده وبسطه ، وتحوله من مكان إلى مكان ، ففي مدّه وبسطه ، ثم قبضه شيئا فشيئا : من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى ، فلو كان ساكنا دائما ، أو قبض دفعة واحدة : لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس ، فمد الظل وقبضه شيئا فشيئا لازم لحركة الشمس ، على ما قدّرت عليه من مصالح العالم ، وفي دلالة الشمس على الظلال ما تعرف به أوقات الصلوات ، وما مضى من اليوم ، وما بقي منه ، وفي تحركه وانتقاله ما يبرد به ما أصابه من حر الشمس ، وينفع الحيوانات والشجر والنبات ، فهو من آيات اللّه الدالة عليه .
وفي الآية وجه آخر ، وهو : أنه سبحانه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبّة المضروبة ، ودحى الأرض تحتها . فألقت القبة ظلها عليها ، فلو شاء سبحانه لجعله ساكنا مستقرا في تلك الحال .
ثم خلق الشمس ونصبها دليلا على ذلك الظل ، فهو يتبعها في حركتها ، يزيد بها وينقص ، ويمتد ويتقلص ، فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله .