تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 828

مساهمون:

ص٨٢٨
الانفصال . ونفس الانفراد . وهو يورث الاتصال . وليس وراء ذلك ملحظ للنظارة . ولا طاقة للإشارة » . هذه المرتبة - من الحياة - هي حياة الواجد . وهي أكمل من النوعين اللذين قبلها . ووجود العبد لربه : هو الذي أشار إليه في الحديث الإلهي بقوله « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي » والمشار إليه في قوله « ابن آدم ، اطلبني تجدني ، فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتّك فاتك كل شيء » . وسيأتي في باب « الوجود » مزيد لهذا إن شاء اللّه تعالى . وإنما كانت حياة الوجود أكمل الحياة ، لشرفها وكمالها بموجدها . وهو الحق سبحانه وتعالى ، فمن حبي بوجوده فقد فاز بأعلى أنواع الحياة . فإن قلت : يصعب عليّ فهم معنى الحياة بوجوده . قلت : لأجل الحجاب الذي ضرب بينك وبين هذه الحياة ، فافهم الحياة بوجود الفناء ، وبوجود المالك القادر إذا كان معك وناصرك ، دون مجرد وجوده - ولا معرفة بينك وبينه البتة - فحقيقة الحياة : هي الحياة بالرب تعالى ، لا الحياة بالنفس والفناء وأسباب العيش . وقد تفسر « حياة الوجود » بشهود القيومية ، حيث لا يرى شيئا من الأشياء إلا وهو باللّه . وهو الذي أقامه . وبحال هذا الشهود ، وهو أن لا يلتفت بقلبه إلى شيء سوى اللّه ، ولا يخافه ولا يرجوه ، بل قد قصر خوفه ورجاءه ، وتوكله وإنابته على الحي القيوم ، قيوم الوجود وقيّمه وقيامه ومقيمه وحده . فمتى حصل له هذا الشهود وهذا الحال : فقد حصلت له حياة الوجود . فتارة يتنفس بالهيبة . وهي سطوة نور الصفات ، وذلك عند أول ما يسطع نور الوجود ، فيقع القلب في هيبة تستغرق حسه عن الالتفات إلى شيء من عوالم النفس . وذلك هو الاعتلال الذي يميته النفس الثاني ، وهو قوله « ونفس يميت الاعتلال » فتموت منه علل أعماله ، وآثار حظوظه ، وشهود إنيته . قوله « ونفس الوجود » يريد به : وجود العبد بربه ، فيتنفس بهذا الوجود ، كما يسمع به ، ويبصر به ، ويبطش به . ويمشي به . ولا تصغ إلى غير هذا . فتزل قدم بعد ثبوتها . قوله « وهو يمنع الانفصال » الانفصال عند القوم : انقطاع القلب عن الرب وبقاؤه بنفسه وطبيعته . و « الاتصال » هو بقاؤه بربه ، وفناؤه عن أحكام نفسه ، وطبعه وهواه وقد يراد « بالاتصال » الفناء في شهود القيومية ، و « بالانفصال » الغيبة عن هذا الشهود . وأما الملحد : فيفسر « الاتصال ، والانفصال » بالاتصال الذاتي والانفصال الذاتي ، وهذا محال أيضا ، فإنه لم يزل متصلا به ، بل لم يزل إياه عنده . فالأول : يتعلق بالإرادة والهمة ، وهو أعلى الأنواع . والثاني : يتعلق بالشهود والشعور ، وهو دونه ، وهو عند الشيخ أعلى ، لأنه إنما يكون في وادي الفناء . والثالث : للملاحدة القائلين بوحدة الوجود .
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 828 | ابن قيم الجوزية / عبد الغنى محمد على الفاسى