تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 827

مساهمون:

ص٨٢٧
والعزوم في التوجه إليه سبحانه . لا الجمع الذي هو حضرة الوجود . لأنه قد ذكر حياة هذا الجمع في الدرجة الثالثة . وسماها « حياة الوجود » . وإنما كان جمع القلب على اللّه والخواطر على السير إليه : حياة حقيقية ، لأن القلب لا سعادة له ، ولا فلاح ولا نعيم ، ولا فوز ولا لذة ، ولا قرّة عين إلا بأن يكون اللّه وحده هو غاية طلبه ، ونهاية قصده ، ووجهه الأعلى : هو كل بغيته ، فالتفرقة المتضمنة للإعراض عن التوجه إليه ، واجتماع القلب عليه : هي مرضه إن لم يمت منها . قال : « ولهذه الحياة ثلاثة أنفاس . نفس الاضطرار » وذلك لانقطاع أمله مما سوى اللّه . فيضطر حينئذ - بقلبه وروحه ونفسه وبدنه - إلى ربه ضرورة تامة ، بحيث يجد في كل منبت شعرة منه فاقة تامة إلى ربه ومعبوده ، فهذا النفس نفس مضطر إلى ما لا غنى له عنه طرفة عين . وضرورته إليه من جهة كونه ربه ، وخالقه وفاطره وناصره ، وحافظه ومعينه ورازقه ، وهاديه ومعافيه ، والقائم بجميع مصالحه ، ومن جهة كونه : معبوده وإلهه ، وحبيبه الذي لا تكمل حياته ولا تنفع إلا بأن يكون هو وحده أحب شيء إليه ، وأشوق شيء إليه . وهذا الاضطرار : هو اضطرار
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
والاضطرار الأول : اضطرار
« إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »
. ولعمر اللّه إن « نفس الافتقار » هو هذا النفس ، أو من نوعه . ولكن الشيخ جعلهما نفسين . فجعل « نفس الاضطرار » بداية ، و « نفس الافتقار » توسط ، و « نفس الافتخار » نهاية . وكأن « نفس الاضطرار » يقطع الخلق من قلبه ، و « نفس الافتقار » يعلق قلبه بربه . والتحقيق : أنه نفس واحد ممتد ، أوله انقطاع ، وآخره اتصال . وأما « نفس الافتخار » فهو نتيجة هذين النفسين . لأنهما إذا صحّا للعبد حصل له القرب من ربه ، والأنس به ، والفرح به ، وبالخلع التي خلعها ربّه على قلبه وروحه مما لا يقوم لبعضه ممالك الدنيا بحذافيرها ، فحينئذ يتنفس نفسا آخر ، يجد به من التفريج والترويح والراحة والانشراح ما يشبه - من بعض الوجوه - بنفس من جعل في عنقه حبل ليخنق به حتى يموت ، ثم كشف عنه وقد حبس نفسه ، فتنفس نفس من أعيدت عليه حياته . وتخلص من أسباب الموت . فإن قلت : ما للعبد والافتخار ؟ وأين العبودية من نفس الافتخار ؟ . قلت : لا يريد بذلك : أن العبد يفتخر بذلك ، ويختال على بني جنسه ، بل هو فرح وسرور لا يمكن دفعه عن نفسه بما فتح عليه ربه ، ومنحه إياه ، وخصه به ، وأولى ما فرح به العبد : فضل ربه عليه . فإنه تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده . ويحب الفرح بذلك . لأنه من الشكر . ومن لا يفرح بنعمة المنعم لا يعد شكورا ، فهو افتخار بما هو محض منة اللّه ونعمته على عبده ، لا افتخار بما من العبد . فهذا هو الذي ينافي العبودية لا ذاك . وهنا سر لطيف . وهو أن هذا النفس يفخر على أنفاسه التي ليست كذلك . كما تفخر الحياة على الموت ، والعلم على الجهل ، والسمع على الصمم ، والبصر على العمى . فيكون الافتخار للنفس على النفس ، لا للمتنفس على الناس . واللّه أعلم . قال : « الحياة الثالثة : حياة الوجود . وهي حياة بالحق . ولها ثلاثة أنفاس : نفس الهيبة . وهو يميت الاعتدال . ونفس الوجود ، وهو يمنع