أن تؤتى من قبلك . واتخذ حاجبا من الهوى ، وقال : إياك أن تمكن أحدا يدخل عليّ إلا معك ، فأمر هذه المملكة قد صار إليك وإلى البواب ، فيا بواب الغفلة ، ويا حاجب الهوى ليلزم كل منكما ثغره ، فإن أخليتما فسد أمر مملكتنا ، وعادت الدولة لغيرنا ، وسامنا سلطان الإيمان شر الخزي والهوان . ولا نفرح بهذه المدينة أبدا .
فلا إله إلا اللّه ! إذا اجتمعت على القلب هذه العساكر ، مع رقّة الإيمان ، وقلة الأعوان ، والإعراض عن ذكر الرحمن ، والانخراط في سلك أبناء الزمان ، وطول الأمل المفسد للإنسان - أن آثر العاجل الحاضر على الغائب الموعود به بعد طيّ هذه الأكوان . فاللّه المستعان وعليه التكلان .
فهذا فصل مختصر نافع في ذكر الحياة وأنواعها ، والتشويق إلى أشرفها وأطيبها . فمن صادف من قلبه حياة انتفع به ، وإلا فخود تزف إلى ضرير مقعد .
فلنرجع إلى شرح كلام صاحب المنازل :
قال : « ولها ثلاثة أنفاس : نفس الخوف ، ونفس الرجاء ، ونفس المحبة » .
لما كان كل حيوان متنفسا ، فإن النفس موجب الحياة وعلامتها : كانت أنفاس الحياة المشار إليها ثلاثة أنفاس : نفس الخوف . ومصدره : مطالعة الوعيد ، وما أعد اللّه لمن آثر الدنيا على الآخرة . والمخلوق على الخالق ، والهوى على الهدى ، والغيّ على الرشاد .
ونفس الرجاء ، ومصدره : مطالعة الوعد ، وحسن الظن بالرب تعالى . وما اللّه أعد لمن آثر اللّه ورسوله ، والدار الآخرة ، وحكّم الهدى على الهوى ، والوحي على الآراء ، والسنة على البدعة ، وما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه على عوائد الخلق .
ونفس بالمحبة . مصدره : مطالعة الأسماء والصفات ، ومشاهدة النعماء والآلاء .
فإذا ذكر ذنوبه : تنفس بالخوف . وإذا ذكر رحمة ربه ، وسعة مغفرته وعفوه : تنفس بالرجاء .
وإذا ذكر جماله وجلاله وكماله وإحسانه وإنعامه : تنفس بالحب .
فليزن العبد إيمانه بهذه الأنفاس الثلاثة ، ليعلم ما معه من الإيمان ، فإن القلوب مفطورة على حب الجمال والإجمال ، واللّه سبحانه جميل . بل له الجمال التام الكامل من جميع الوجوه - جمال الذات ، وجمال الصفات ، وجمال الأفعال ، وجمال الأسماء - وإذا جمع جمال المخلوقات كله على شخص واحد ، ثم كانت جميعها على جمال ذلك الشخص ، ثم نسب هذا الجمال إلى جمال الرب تبارك وتعالى : كان أقل من نسبة سراج ضعيف إلى عين الشمس .
فالنفس الصادر عن هذه الملاحظة والمطالعة : أشرف أنفاس العبد على الإطلاق ، فأين نفس المشتاق المحب الصادق إلى نفس الخائف الراجي ؟ ولكن لا يحصل له هذا النفس إلا بتحصيل ذينك النفسين ، فإن أحدهما ثمرة تركه للمخالفات . والثاني : ثمرة فعله للطاعات ، فمن هذين النفسين يصل إلى النفس الثالث .
قال : « الحياة الثانية : حياة الجمع من موت التفرقة . ولها ثلاثة أنفاس : نفس الاضطرار ، ونفس الافتقار ، ونفس الافتخار » .
ومراده - إن شاء اللّه - بالجمع في هذه الدرجة : جمع القلب على اللّه ، وجمع الخواطر
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 826
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨٢٦