قلت : وهذا أيضا من نوم القلب ، بل من موته ، وهل تقتبس الحياة الدائمة إلا من هذه الحياة الزائلة ؟ وأنت قد تشعل سراجك من سراج آخر قد أشفى على الانطفاء ، فيتّقد الثاني ويضيء غاية الإضاءة ، ويتصل ضوءه ، وينطفئ الأول ، والمقتبس لحياته الدائمة من حياته المنقطعة : إنما ينتقل من دار منقطعة إلى دار باقية ، وقد توسط الموت بين الدارين ، فهو قنطرة لا يعبر إلى تلك الدار إلا عليها ، وباب لا يدخل إليها إلا منه . فهما حياتان في دارين بينهما موت ؛ وكما أن نور تلك الدار مقتبس من نور هذه الدار ، فحياتها كذلك مقتبسة من حياتها . فعلى قدر نور الإيمان في هذه الدار يكون نور العبد في تلك الدار . وعلى قدر حياته في هذه الدار تكون حياته هناك .
نعم هذا النور والحياة ، الذي يقتبس منه ذلك النور والحياة ، لا ينقطع ، بل يضيء للعبد في البرزخ ، وفي موقف القيامة ، وعلى الصراط ، فلا يفارقه إلى دار الحيوان ، يطفأ نور الشمس وهذا النور لا يطفأ ، وتبطل الحياة المحسوسة وهذه الحياة لا تبطل ، هذا أحد نوعي يقظة القلب .
النوع الثاني : يقظة تبعث على حياة ، لا تدركها العبارة ، ولا ينالها التوهم ، ولا يطابق فيها اللفظ لمعناه البتة ، والذي يشار به إليها : حياة المحب مع حبيبه ، الذي لا قوام لقلبه وروحه وحياته إلا به ولا غنى له عنه طرفة عين ، ولا قرة لعينه ، ولا طمأنينة لقلبه ، ولا سكون لروحه ، إلا به . فهو أحوج إليه من سمعه وبصره وقوته ، بل ومن حياته ، فإن حياته بدونه عذاب وآلام ، وهموم وأحزان ، فحياته موقوفة على قربه وحبه ومصاحبته . وعذاب حجابه عنه : أعظم من العذاب الآخر ، كما أن نعيم القلب والروح بإزالة ذلك الحجاب : أعظم من النعيم بالأكل والشرب ، والتمتع بالحور العين ، فهكذا عذاب الحجاب أعظم من عذاب الجحيم . ولهذا جمع اللّه سبحانه لأوليائه بين النعيمين في قوله
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] فالحسنى الجنة . والزيادة : رؤية وجهه الكريم في جنات عدن . وجمع لأعدائه بين العذابين في قوله :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
( 16 ) [ المطفّفين : 15 ، 16 ] .
والمقصود : أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة . وهي حجاب عليه ، فإن كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب ، واشتغال بما لا يفيد ، فإن بادر إلى كشفه ، وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن اللّه ، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقت الرب تعالى له ، وغضبه ولعنته ، فإن بادر إلى كشفه ، وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع عملية يعذب العامل فيها نفسه ، ولا تجدي عليه شيئا . فإن بادر إلى كشفه ، وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع قولية اعتقادية ، تتضمن الكذب على اللّه ورسوله ، والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول ، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب شك وتكذيب . يقدح في أصول الإيمان الخمسة . وهي : الإيمان باللّه ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، ولقائه ، فلغلظ حجابه وكثافته ، وظلمته وسواده : لا يرى حقائق الإيمان ، ويتمكن منه الشيطان ، يعده ويمنّيه ، والنفس الأمارة بالسوء تهوى وتشتهي ، وسلطان الطبع قد ظفر بسلطان الإيمان ، فأسره وسجنه ، إن لم يهلكه ، وتولى تدبير المملكة واستخدام جنود الشهوات ، وأقطعها العوائد التي جرى عليها العمل ، وأغلق باب اليقظة وأقام عليه بواب الغفلة ، وقال : إياك