وكما قيل : تنفست الآخرة ، فكانت الدنيا نفسا من أنفاسها . فأصاب أهل السعادة نفس نعيمها ، فهم على هذا النفس يعملون ، وأصاب أهل الشقاوة نفس عذابها . فهم على ذلك النفس يعملون .
وإذا كانت حياة أهل الإيمان والعمل الصالح في هذه الدار حياة طيبة ، فما الظن بحياتهم في البرزخ ، وقد تخلصوا من سجن الدنيا وضيقها ؟ فما الظن بحياتهم في دار النعيم المقيم الذي لا يزول . وهم يرون وجه ربهم تبارك وتعالى بكرة وعشيّا ويسمعون خطابه ؟ .
فإن قلت : ما سبب تخلف النفس عن طلب هذه الحياة التي لا خطر لها ، وما الذي زهّدها فيها ؟ وما سبب رغبتها في الحياة الفانية المضمحلة ، التي هي كالخيال والمنام ؟ أفساد في تصورها وشعورها ؟ أم تكذيب بتلك الحياة ؟ أم لآفة في العقل ، وعمى هناك ؟ أم إيثار للحاضر المشهود بالعيان على الغائب المعلوم بالإيمان ؟ .
قيل : بل ذلك لمجموع أمور مركبة من ذلك كله .
وأقوى الأسباب في ذلك : ضعف الإيمان ، فإن الإيمان هو روح الأعمال . وهو الباعث عليها ، والآمر بأحسنها ، والناهي عن أقبحها ، وعلى قدر قوة الإيمان يكون أمره ونهيه لصاحبه ، وائتمار صاحبه وانتهاؤه . قال اللّه تعالى :
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 93 ] .
وبالجملة : فإذا قوي الإيمان قوي الشوق إلى هذه الحياة ، واشتد طلب صاحبه لها .
السبب الثاني : جثوم الغفلة على القلب ، فإن الغفلة نوم القلب ، ولهذا تجد كثيرا من الأيقاظ في الحس نياما في الواقع ، فتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم ، فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن ، وكمال هذه الحياة كان لنبينا صلى اللّه عليه وسلم . ولمن أحيا اللّه قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منهما .
فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب ، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه ، وكما أن يقظة الحس على نوعين ، فكذلك يقظة القلب على نوعين :
فالنوع الأول من يقظة الحس : أن صاحبها ينفذ في الأمور الحسية ، ويتوغل فيها بكسبه وفطانته ، واحتياله وحسن تأتيه .
والنوع الثاني : أن يقبل على نفسه وقلبه وذاته . فيعتني بتحصيل كماله ، فيلحظ عوالي الأمور وسفسافها . فيؤثر الأعلى على الأدنى ، ويقدم خير الخيرين بتفويت أدناهما ، ويرتكب أخف الشرين خشية حصول أقواهما ، ويتحلى بمكارم الأخلاق ومعالي الشّيم ، فيكون ظاهره جميلا ، وباطنه أجمل من ظاهره ، وسريرته خيرا من علانيته ، فيزاحم أصحاب المعالي عليها كما يتزاحم أهل الدينار والدرهم عليهما . فبهذه اليقظة يستعد للنوعين الآخرين منهما :
أحدهما : يقظة تبعثه على اقتباس الحياة الدائمة الباقية ، التي لا خطر لها ، من هذه الحياة الزائلة الفانية ، التي لا قيمة لها .
فإن قلت : مثّل لي ، كيف تقتبس الحياة الدائمة من الحياة الفانية ؟ وكيف يكون هذا ؟ فإني لا أفهمه .