تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 819

مساهمون:

ص٨١٩
فالاجتهاد في هذا العمر القصير ، والمدة القليلة ، والسعي والكدح ، وتحمل الأثقال ، والتعب والمشقة : إنما هو لهذه الحياة . والعلوم والأعمال : وسيلة إليها . وهي يقظة . وما قبلها من الحياة نوم . وهي عين ، وما قبلها أثر . وهي حياة جامعة بين فقد المكروه ، وحصول المحبوب في مقام الأنس ، وحضرة القدس ، حيث لا يتعذر مطلوب ، ولا يفقد محبوب . حيث الطمأنينة والراحة ، والبهجة والسرور . حيث لا عبارة للعبد عن حقيقة كنهها . لأنها في بلد لا عهد لنا به . ولا إلف بيننا وبين ساكنه . فالنفس - لإلفها لهذا السجن الضيق النكد زمانا طويلا - تكره الانتقال منه إلى ذلك البلد . وتستوحش إذا استشعرت مفارقته . وحصول العلم بهذه الحياة : إنما وصل إلينا بخبر إلهي ، على يد أكمل الخلق وأعلمهم وأنصحهم صلى اللّه عليه وسلم . فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان . حتى صارت لهم بمنزلة العيان . ففرت نفوسهم من هذا الظل الزائل ، والخيال المضمحل ، والعيش الفاني المشوب بالتنغيص وأنواع الغصص ، رغبة في هذه الحياة ، وشوقا إلى ذلك الملكوت ، ووجدا بهذا السرور ، وطربا على هذا الحد ، واشتياقا لهذا النسيم ، الوارد من محل النعيم المقيم . ولعمر اللّه إن من سافر إلى بلد العدل والخصب ، والأمن والسرور : صبر في طريقه على كل مشقة ، وإعواز وجدب . وفارق المتخلفين أحوج ما كان إليهم ، وأجاب المنادي إذا نادى به : حي على الفلاح . وبذل نفسه في الوصول بذل المحب بالرضى والسماح ، وواصل السير بالغدوّ والرواح . فحمد عند الوصول مسراه ، وإنما يحمد المسافر السّرى عند الصباح :
عند الصباح يحمد القوم السّرى * وفي الممات يحمد القوم اللقا
وما هذا - واللّه - بالصعب ولا بالشديد ، مع هذا العمر القصير ، الذي هو بالنسبة إلى تلك الدار كساعة من نهار
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ
[ الأحقاف : 35 ]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ
[ يونس : 45 ]
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها
[ النّازعات : 46 ]
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ
[ الرّوم : 55 ]
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ المؤمنون : 112 - 113 ] فلو أن أحدنا يجرّ على وجهه - يتّقي به الشوك والحجارة - إلى هذه الحياة : لم يكن ذلك كثيرا ولا غبنا في جنب ما يوقّاه . فواحسرتاه على بصيرة شاهدت هاتين الحياتين على ما هما عليه ، وعلى همة تؤثر الأدنى على الأعلى . وما ذاك إلا بتوفيق من أزمّة الأمور بيديه . ومنه ابتداء كل شيء وانتهاؤه إليه ، أقعد نفوس من غلبت عليهم الشقاوة عن السفر إلى هذه الدار ، وجذب قلوب من سبقت لهم منه الحسنى . وأقامهم في الطريق ، وسهّل عليهم ركوب الأخطار . فأضاع أولئك مراحل أعمارهم مع المتخلفين وقطع هؤلاء مراحل أعمارهم مع السائرين . وعقدت الغبرة وثار العجاج ، فتوارى عنه السائرون والمتخلفون . وسينجلي عن قريب . فيفوز العاملون . ويخسر المبطلون . ومن طيب هذه الحياة ولذتها : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما من نفس تموت - لها عند اللّه خير - يسرها أن ترجع إلى الدنيا ، وأن لها الدنيا وما فيها ، إلا الشهيد . فإنه يتمنى الرجوع إلى الدنيا . لما يرى من كرامة اللّه له » يعني ليقتل فيه مرة أخرى . وسمع بعض العارفين منشدا ينشد :