تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 818

مساهمون:

ص٨١٨
ومنها : قوله « من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا » الحديث . فالعبد لا يزال رابحا على ربه أفضل مما قدّم له . وهذا المتقرب بقلبه وروحه وعمله : يفتح عليه ربه بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة ، بل حياة من ليس كذلك بالنسبة إلى حياته : كحياة الجنين في بطن أمه بالنسبة إلى حياة أهل الدنيا ولذتهم فيها ، بل أعظم من ذلك . فهذا نموذج من بيان شرف هذه الحياة وفضلها ، وإن كان علم هذا يوجب لصاحبه حياة طيبة . فكيف إن انصبغ القلب به ، وصار حالا ملازما لذاته ؟ فاللّه المستعان . فهذه الحياة : هي حياة الدنيا ونعيمها في الحقيقة . فمن فقدها ففقده لحياته الطبيعية أولى به :
هذي حياة الفتى فإن فقدت * ففقده للحياة أليق به
فلا عيش إلا عيش المحبين ، الذين قرّت أعينهم بحبيبهم ، وسكنت نفوسهم إليه ، واطمأنت قلوبهم به ، واستأنسوا بقربه ، وتنعموا بحبه . ففي القلب فاقة لا يسدّها إلا محبة اللّه ، والإقبال عليه ، والإنابة إليه ، ولا يلمّ شعثه بغير ذلك البتة . ومن لم يظفر بذلك : فحياته كلها هموم وغموم ، وآلام وحسرات ، فإنه إن كان ذا همة عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات ، فإن همته لا ترضى فيها بالدون وإن كان مهينا خسيسا فعيشه كعيش أخس الحيوانات . فلا تقر العيون إلا بمحبة الحبيب الأول :
نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأول منزل
المرتبة التاسعة من مراتب الحياة : حياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدان وخلاصها من هذا السجن وضيقه . فإن من ورائه فضاء وروحا وريحانا وراحة . نسبة هذه الدار إليه : كنسبة بطن الأم إلى هذه الدار ، أو أدنى من ذلك . قال بعض العارفين : لتكن مبادرتك إلى الخروج من الدنيا كمبادرتك إلى الخروج من السجن الضيق إلى أحبتك ، والاجتماع بهم في البساتين المونقة . قال اللّه تعالى في هذه الحياة
فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 88 ) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ
( 89 ) [ الواقعة : 88 ، 89 ] . ويكفي في طيب هذه الحياة : مرافقة الرفيق الأعلى ، ومفارقة الرفيق المؤذي المنكد ، الذي تنغص رؤيته ومشاهدته الحياة ، فضلا عن مخالطته وعشرته ، إلى الرفيق الأعلى الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ، في جوار الرب الرحمن الرحيم :
قد قلت ، إذ مدحوا الحياة فأسرفوا : * في الموت ألف فضيلة لا تعرف منها : أمان لقائه بلقائه * وفراق كل معاشر لا ينصف
ولو لم يكن في الموت من الخير إلا أنه باب الدخول إلى هذه الحياة ، وجسر يعبر منه إليها : لكفى به تحفة للمؤمن :
جزى اللّه عنا الموت خيرا . فإنه * أبرّ بنا من كل برّ وألطف يعجّل تخليص النفوس من الأذى * ويدني إلى الدار التي هي أشرف