تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 820

مساهمون:

ص٨٢٠
إنما العيش في بهيمية الل * ذّة ، وهو ما يقوله الفلسفي حكم كأس المنون : أن يتساوى * في حساها البليد والألمعيّ ويصير الغبيّ تحت ثرى الأر * ض . كما صار تحتها اللّوذعيّ فسل الأرض عنهما إن أزال الش * كّ والشبهة السؤال الجليّ
فقال : قاتله اللّه ، ما أشد معاندته للدين والعقل ! هذا نفس عدو الفطرة ، والشريعة ، والعقل والإيمان والحكمة . يا مسكين : أمن أجل أن الموت تساوى فيه الصالح والطالح والعالم والجاهل ، وصاروا جميعا تحت أطباق الثرى : أيجب أن يتساووا في العاقبة ؟ أما تساوى قوم سافروا من بلد إلى بلد في الطريق ؟ فلما بلغوا القصد نزل كل واحد في مكان كان معدّا له ، وتلقّي بغير ما تلقّي به رفيقه في الطريق ؟ أما لكل قوم دار فأجلس كل واحد منهم حيث يليق به ؟ وقوبل هذا بشيء ، وهذا بضده ؟ أما قدم على الملك من جاءه بما يحبه . فأكرمه عليه ، ومن جاءه بما يسخطه ، فعاقبه عليه ؟ أما قدم ركب المدينة . فنزل بعضهم في قصورها وبساتينها وأماكنها الفاضلة . ونزل قوم على قوارع الطريق بين الكلاب ؟ أما قدم اثنان من بطن الأم الواحدة . فصار هذا إلى الملك ، وهذا إلى الأسر والعناء ؟ . وقولك « سل الأرض عنهما » أما إنا قد سألناها ، فأخبرتنا : أنها قد ضمت أجسادهم وجثثهم وأوصالهم ، لا كفرهم وإيمانهم ، ولا أنسابهم وأحسابهم « 1 » ، ولا حلمهم وسفههم ، ولا طاعتهم ومعصيتهم ، ولا يقينهم وشكهم ، ولا توحيدهم وشركهم ، ولا جورهم وعدلهم ، ولا علمهم وجهلهم . فأخبرتنا عن هذه الجثث البالية والأبدان المتلاشية ، والأوصال المتمزقة ، وقالت : هذا خبر ما عندي . وأما خبر تلك الأرواح ، وما صارت إليه : فسلوا عنها كتب رب العالمين ، ورسله الصادقين ، وخلفاءهم الوارثين . سلوا القرآن ، فعنده الخبر اليقين . وسلوا من جاء به ، فهو بذلك أعرف العارفين . وسلوا العلم والإيمان ، فهما الشاهدان المقبولان . وسلوا العقول والفطر ، فعندها حقيقة الخبر
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[ الجاثية : 21 ] تعالى اللّه - أحكم الحاكمين - عن هذا الظن والحسبان . الذي لا يليق إلا بأجهل الجاهلين . ثم قال : الناظر في هذا الباب رجلان . رجل ينظر إلى الأشياء ، ورجل ينظر في الأشياء . فالأول : يحار فيها ، فإن صورها وأشكالها وتخاطيطها تستفرغ ذهنه وحسه ، وتبدد فكره وقلبه . فنظره إليها بعين حسّه ، لا يفيده منها ثمرة الاعتبار ، ولا زبدة الاختبار ، لأنه لما فقد الاعتبار أولا ، فإنه فقد الاختيار ثانيا .
هامش
( 1 ) أما إنها قد ضمت أنسابهم أيضا ، بل هي أول ما يؤول إلى الأرض ، فما أنسابهم إلا التراب* مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى( 55 ) [ طه : 55 ]فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ( 101 ) [ المؤمنون : 101 ] . وأما أحسابهم : فبقي معهم ما اكتسبوا بها من صالح الأعمال أو سيئها ، وقد تركوا أموالهم وجاههم ، وأخذوا حسابهما .