تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 817

مساهمون:

ص٨١٧
فذكر من مراتب القرب ثلاثة . ونبه بها على ما دونها وما فوقها ، فذكر تقرب العبد إليه بالبر ، وتقربه سبحانه إلى العبد ذراعا ، فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التقرب انتقل منه إلى تقرب الذراع ، فيجد ذوق تقرب الرب إليه باعا . فإذا ذاق حلاوة هذا القرب الثاني : أسرع المشي حينئذ إلى ربه . فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولة . وهاهنا منتهى الحديث ، منبها على أنه إذا هرول عبده إليه كان قرب حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه ، فإما أن يكون قد أمسك عن ذلك لعظيم شاهد الجزاء ، أو لأنه يدخل في الجزاء الذي لم تسمع به أذن ، ولم يخطر على قلب بشر ، أو إحالة له على المراتب المتقدمة . فكأنه قيل له : وقس على هذا . فعلى قدر ما تبذل منك متقربا إلى ربك : يتقرب إليك بأكثر منه . وعلى هذا فلازم هذا التقرب المذكور في مراتبه . أي من تقرب إلى حبيبه بروحه وجميع قواه ، وإرادته وأقواله وأعماله : تقرب الرب منه سبحانه بنفسه في مقابلة تقرب عبده إليه . وليس القرب في هذه المراتب كلها قرب مسافة حسية ، ولا مماسة . بل هو قرب حقيقي . والرب تعالى فوق سماواته على عرشه ، والعبد في الأرض . وهذا الموضع هو سر السلوك ، وحقيقة العبودية . وهو معنى الوصول الذي يدندن حوله القوم - وملاك هذا الأمر : هو قصد التقرب أولا ، ثم التقرب ثانيا ، ثم حال القرب ثالثا ، وهو الانبعاث بالكلية إلى الحبيب . وحقيقة هذا الانبعاث : أن تفنى بمراده عن هواك ، وبما منه عن حظك ، بل يصير ذلك هو مجموع حظك ومرادك ، وقد عرفت أن من تقرب إلى حبيبه بشيء من الأشياء جوزي على ذلك بقرب هو أضعافه ، وعرفت أن أعلى أنواع التقرب : تقرب العبد بجملته - بظاهره وباطنه ، وبوجوده - إلى حبيبه . فمن فعل ذلك فقد تقرب بكله ، ولم تبق منه بقية لغير حبيبه . كما قيل :
لا كان من لسواك فيه بقيّة * يجد السبيل بها إليه العذّل
وإذا كان المتقرب إليه بالأعمال يعطي أضعاف أضعاف ما تقرب به ، فما الظن بمن أعطي حال التقرب وذوقه ووجده ؟ فما الظن بمن تقرب إليه بروحه ، وجميع إرادته وهمته ، وأقواله وأعماله ؟ . وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه ، فإنه أهل أن يجاد عليه ، بأن يكون ربه سبحانه هو حظه ونصيبه ، عوضا عن كل شيء ، جزاء وفاقا ، فإن الجزاء من جنس العمل ، وشواهد هذا كثيرة . منها : قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ( 2 ) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
[ الطّلاق : 2 ، 3 ] ففرق بين الجزاءين كما ترى . وجعل جزاء المتوكل عليه كونه سبحانه حسبه وكافيه . ومنها : أن الشهيد لما بذل حياته للّه أعاضه اللّه سبحانه حياة أكمل منها عنده في محل قربه وكرامته . ومنها : أن من بذل للّه شيئا أعاضه اللّه خيرا منه . ومنها : قوله تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ
[ البقرة : 152 ] . ومنها : قوله في الحديث القدسي « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه » .