وأما الناظر في الأشياء : فإن نظره يبعثه على العبور من صورها إلى حقائقها والمراد بها .
وما اقتضى وجودها من الحكمة البالغة ، والعلم التام . فيفيده هذا النظر تمييز مراتبها ، ومعرفة نافعها من ضارها ، وصحيحها من سقيمها ، وباقيها من فانيها ، وقشرها من لبّها . ويميز بين الوسيلة والغاية ، وبين وسيلة الشيء ووسيلة ضده . فيعرف حينئذ أن الدنيا قشره والآخرة لبّه « 1 » وأن الدنيا محل الزرع ، والآخرة وقت الحصاد . وأن الدنيا معبر وممر ، والآخرة دار مستقر .
وإذا عرف أن الدنيا طريق وممر : كان حريّا بتهيئة الزاد لقراره ، ويعلم حينئذ أنه لم ينشأ في هذه الدار للاستيطان والخلود . ولكن للجواز إلى مكان آخر ، هو المنزل والمتبوّأ . وأن الإنسان دعي إلى ذلك بكل شريعة ، وعلى لسان كل نبي ، وبكل إشارة ودليل . ونصب له على ذلك علم ، وضرب لأجله كل مثل . ونبه عليه بنشأته الأولى ومبادئه ، وسائر أحواله ، وأحوال طعامه وشرابه ، وأرضه وسمائه . بحيث أزيلت عنه الشبهة ، وأوضحت له المحجة ، وأقيمت عليه الحجة . وأعذر إليه غاية الإعذار ، وأمهل أتم الإمهال ، فاستبان لذي العقل الصحيح والفطرة السليمة : أن الظعن عن هذا المكان ضروري ، والانتقال عنه حق لا مرية فيه ، وأن له محلا آخر .
له قد أنشىء . ولأجله قد خلق . وله هيّىء ، فمصيره إليه . وقدومه بلا ريب عليه ، وأن داره هذه :
منزل عبور ، لا منزل قرار .
وبالجملة : من نظر في الموجودات ، ولم يقنع بمجرد النظر إليها وحدها : وجدها دالة على أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أكمل منها ، وأن هذه الحياة بالنسبة إليها كالمنام بالنسبة إلى اليقظة ، وكالظل بالنسبة إلى الشخص ، وسمعها كلها تنادي بما نادى به ربها وخالقها وفاطرها
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
[ فاطر : 5 ] وتنادي بلسان الحال ؛ بما نادى به ربها بصريح المقال
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً
[ الكهف : 45 ] وقال تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
[ يونس : 24 ] وقال تعالى :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
[ الحديد : 20 ] ثم ندبهم إلى المسابقة إلى الدار الآخرة الباقية التي لا زوال لها . فقال :
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ الحديد : 21 ] .
وسمع بعض العارفين منشدا ينشد عن بعض الزنادقة عند موته - وهو محمد بن زكريا الرازي المتطبب - :
لعمري ما أدري - وقد أذن البلى * بعاجل ترحالي - إلى أين ترحالي ؟
هامش
( 1 ) وعرف أولا : أن الجسم قشر ، وأن الروح الإنسانية المفكرة العاقلة المميزة هي قلبه ولبه . فعنى في هذه الحياة باللب واهتم بتغذيته بما يناسبه من العلم والتفكير في سنن اللّه وآياته الكونية والقرآنية .