خلّ الهوى لأناس يعرفون به * قد كابدوا الحب حتى لان أصعبه
فإن السالك إلى ربه لا تزال همته عاكفة على أمرين : استفراغ القلب في صدق الحب ، وبذل الجهد في امتثال الأمر . فلا يزال كذلك حتى يبدو على سره شواهد معرفته ، وآثار صفاته وأسمائه . ولكن يتوارى عنه ذلك أحيانا ، ويبدو أحيانا ، يبدو من عين الجود . ويتوارى بحكم الفترة . والفترات أمر لازم للعبد ، فكل عامل له شرّة ، ولكل شرة فترة ، فأعلاها فترة الوحي ، وهي للأنبياء ، وفترة الحال الخاص للعارفين ، وفترة الهمة للمريدين ، وفترة العمل للعابدين ، وفي هذه الفترات أنواع من الحكمة والرحمة ، والتعرفات الإلهية ، وتعريف قدر النعمة ، وتجديد الشوق إليها ، ومحض التواجد إليها وغير ذلك .
ولا تزال تلك الشواهد تتكرر وتتزايد ، حتى تستقر ، وينصبغ بها قلبه ، وتصير الفترة غير قاطعة له ، بل تكون نعمة عليه ، وراحة له ، وترويحا وتنفيسا عنه .
فهمة المحب إذا تعلقت روحه بحبيبه ، عاكفا على مزيد محبته ، وأسباب قوتها ، فهو يعمل على هذا ، ثم يترقى منه إلى طلب محبة حبيبه له . فيعمل على حصول ذلك . ولا يعدم الطلب الأول ، ولا يفارقه البتة . بل يندرج في هذا الطلب الثاني ، فتتعلق همته بالأمرين جميعا ، فإنه إنما يحصل له منزلة « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » بهذا الأمر الثاني . وهو كونه محبوبا لحبيبه . كما قال في الحديث « فإذا أحببته كنت سمعه وبصره الخ » فهو يتقرب إلى ربه ، حفظا لمحبته له ، واستدعاء لمحبة ربه له .
فحينئذ يشدّ مئزر الجدّ في طلب محبة حبيبه له بأنواع التقرب إليه . فقلبه : للمحبة والإنابة والتوكل ، والخوف والرجاء ، ولسانه : للذكر وتلاوة كلام حبيبه ، وجوارحه : للطاعات . فهو لا يفتر عن التقرب من حبيبه .
وهذا هو السير المفضي إلى هذه الغاية التي لا تنال إلا به ، ولا يتوصل إليها إلا من هذا الباب ، وهذه الطريق . وحينئذ تجمع له في سيره جميع متفرقات السلوك : من الحضور ، والهيبة ، والمراقبة ، ونفي الخواطر ، وتخلية الباطن .
فإن المحب يشرع - أولا - في التقربات بالأعمال الظاهرة . وهي ظاهر التقرب . ثم يترقى من ذلك إلى حال التقرب . وهو الانجذاب إلى حبيبه بكليته بروحه وقلبه ، وعقله وبدنه . ثم يترقى من ذلك إلى حال الإحسان ، فيعبد اللّه كأنه يراه ، فيتقرب إليه حينئذ من باطنه بأعمال القلوب :
من المحبة والإنابة ، والتعظيم والإجلال والخشية . فينبعث حينئذ من باطنه الجود ببذل الروح ، والجود في محبة حبيبه بلا تكلف . فيجود بروحه ونفسه ، وأنفاسه وإرادته ، وأعماله لحبيبه حالا ، لا تكلفا ، فإذا وجد المحب ذلك فقد ظفر بحال التقرب وسره وباطنه ، وإن لم يجده فهو يتقرب بلسانه وبدنه وظاهره فقط ، فليدم على ذلك ، وليتكلف التقرب بالأذكار والأعمال على الدوام .
فعساه أن يحظى بحال القرب .
ووراء هذا « القرب الباطن » أمر آخر أيضا . وهو شيء لا يعبر عنه بأحسن من عبارة أقرب الخلق إلى اللّه تعالى صلى اللّه عليه وسلم عن هذا المعنى . حيث يقول حاكيا عن ربه تبارك وتعالى « من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا . ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » فيجد هذا المحب في باطنه ذوق معنى هذا الحديث ذوقا حقيقيا .