ومعلمه ، وأستاذه وشيخه وقدوته ، كما جعله اللّه نبيه ورسوله وهاديا إليه . فيطالع سيرته ومبادئ أمره ، وكيفية نزول الوحي عليه ، ويعرف صفاته وأخلاقه ، وآدابه في حركاته وسكونه ، ويقظته ومنامه ، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه ، حتى يصير كأنه معه من بعض أصحابه .
فإذا رسخ قلبه في ذلك : فتح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه ، بحيث لو قرأ السورة شاهد قلبه ما أنزلت فيه ، وما أريد بها ، وحظه المختص به منها ، من الصفات والأخلاق ، والأفعال المذمومة . فيجتهد في التخلص منها كما يجتهد في الشفاء من المرض المخوف .
وشاهد حظّه من الصفات والأفعال الممدوحة ، فيجتهد في تكميلها وإتمامها .
فإذا تمكن من ذلك : انفتح في قلبه عين أخرى . يشاهد بها صفات الرب جل جلاله ، حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه . فيشهد علو الرب سبحانه فوق خلقه ، واستواءه على عرشه ، ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته ، وتكليمه بالوحي ، وتكليمه لعبده جبريل به ، وإرساله إلى من يشاء بما يشاء ، وصعود الأمور إليه ، وعرضها عليه .
فيشاهد قلبه ربا قاهرا فوق عباده ، آمرا ناهيا ، باعثا لرسله ، منزلا لكتبه ، معبودا مطاعا . لا شريك له ، ولا مثيل ، ولا عدل له ، ليس لأحد معه من الأمر شيء ، بل الأمر كله له ، فيشهد ربه سبحانه قائما بالملك والتدبير . فلا حركة ولا سكون ، ولا نفع ولا ضر ، ولا عطاء ولا منع ، ولا قبض ولا بسط إلا بقدرته وتدبيره . فيشهد قيام الكون كله به ، وقيامه سبحانه بنفسه . فهو القائم بنفسه ، المقيم لكل ما سواه .
فإذا رسخ قلبه في ذلك : شهد الصفة المصححة لجميع صفات الكمال . وهي « الحياة » التي كمالها يستلزم كمال السمع والبصر ، والقدرة والإرادة ، والكلام ، وسائر صفات الكمال . وصفة « القيومية » الصحيحة المصححة لجميع الأفعال . فالحي القيوم : من له كل صفة كمال . وهو الفعال لما يريد .
فإذا رسخ قلبه في ذلك : فتح له مشهد « القرب » و « المعية » فيشهده سبحانه معه ، غير غائب عنه ، قريبا غير بعيد ، مع كونه فوق سماواته على عرشه ، بائنا من خلقه ، قائما بالصنع والتدبير ، والخلق والأمر ، فيحصل له - مع التعظيم والإجلال - الأنس بهذه الصفة ، فيأنس به بعد أن كان مستوحشا . ويقوى به بعد أن كان ضعيفا ، ويفرح به بعد أن كان حزينا ، ويجد بعد أن كان فاقدا ، فحينئذ يجد طعم قوله « ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه » .
فأطيب الحياة على الإطلاق : حياة هذا العبد . فإنه محب محبوب ، متقرب إلى ربه ، وربه قريب منه . قد صار له حبيبه لفرط استيلائه على قلبه ، ولهجه بذكره . وعكوف همته على مرضاته ، بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله . وهذه آلات إدراكه وعمله وسعيه . فإن سمع سمع بحبيبه ، وإن أبصر أبصر به . وإن بطش بطش به . وإن مشى مشى به .
فإن صعب عليك فهم هذا المعنى ، وكون المحب الكامل المحبة يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه . وذاته غائبة عنه . فاضرب عنه صفحا . وخلّ هذا الشأن لأهله :
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 815
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٨١٥