يدندن الناس كلهم ، وكلهم قد أخطأ طريقها ، وسلك طرقا لا تفضي إليها ، بل تقطعه عنها ، إلا أقل القليل .
فدار طلب الكل حول هذه الحياة ، وحرمها أكثرهم .
وسبب حرمانهم إياها : ضعف العقل والتمييز والبصيرة ، وضعف الهمة والإرادة . فإن مادتها بصيرة وقادة ، وهمة نقادة . والبصيرة كالبصر تكون عمى وعورا وعمشا ورمدا ، وتامة النور والضياء . وهذه الآفات قد تكون لها بالخلقة في الأصل ، وقد تحدث فيها بالعوارض الكسبية .
والمقصود : أن هذه المرتبة من مراتب الحياة هي أعلى مراتبها ، ولكن كيف يصل إليها من عقله مسبيّ في بلاد الشهوات ، وأمله موقوف على اجتناء اللذات ، وسيرته جارية على أسوأ العادات ، ودينه مستهلك بالمعاصي والمخالفات ، وهمته واقفة مع السفليات ، وعقيدته غير متلقاة من مشكاة النبوات ؟ ! .
فهو في الشهوات منغمس ، وفي الشبهات منتكس ، وعن الناصح معرض ، وعلى المرشد معترض ، وعن السراء نائم ، وقلبه في كل واد هائم . فلو أنه تجرد من نفسه . ورغب عن مشاركة أبناء جنسه ، وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم ، ومن سجن الهوى إلى ساحة الهدى ، ومن نجاسة النفس ، إلى طهارة القدس : لرأى الإلف الذي نشأ بنشأته ، وزاد بزيادته ، وقوي بقوته ، وشرف عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله ، وسد « 1 » قذى في عين بصيرته ، وشجى في حلق إيمانه ، ومرضا متراميا إلى هلاكه .
فإن قلت : قد أشرت إلى حياة غير معهودة بين أموات الأحياء . فهل يمكنك وصف طريقها ، لأصل إلى شيء من أذواقها ، فقد بان لي أن ما نحن فيه من الحياة حياة بهيمية ، ربما زادت علينا فيه البهائم بخلوها عن المنكرات والمنغصات وسلامة العاقبة ؟ .
قلت : لعمر اللّه إن اشتياقك إلى هذه الحياة ، وطلب علمها ومعرفتها : لدليل على حياتك .
وأنك لست من جملة الأموات .
فأول طريقها : أن تعرف اللّه ، وتهتدي إليه طريقا يوصلك إليه ، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة . فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة . فينجذب إليها بكليته . ويزهد في التعلقات الفانية ، ويدأب في تصحيح التوبة ، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة ، ثم يقوم حارسا على قلبه ، فلا يسامحه بخطرة يكرهها اللّه ، ولا بخطرة فضول لا تنفعه . فيصفو بذلك قلبه عن حديث النفس ووسواسها . فيفدى من أسرها . ويصير طليقا . فحينئذ يخلو قلبه بذكر ربه ، ومحبته والإنابة إليه . ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه ، إلى فضاء الخلوة بربه وذكره ، كما قيل :
وأخرج من بين البيوت ، لعلّني * أحدّث عنك النفس في السّر خاليا
فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه ، وطلبه والشوق إليه .
فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، واستولت روحانيته على قلبه . فجعله إمامه
هامش
( 1 ) كذا في الأصول . والظاهر أن كلمة « وسد » زائدة . فإن المعنى بدونها صحيح . أو محرفة عن كلمة « وجد » .