تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 813

مساهمون:

ص٨١٣
ومعنى هذا : أن الموت الإرادي : هو قمع الشهوات المردية ، وإخماد نيرانها المحرقة ، وتسكين هوائجها المتلفة . فحينئذ يتفرغ القلب والروح للتفكر فيما فيه كمال العبد ، ومعرفته ، والاشتغال به . ويرى حينئذ أن إيثار الظل الزائل عن قريب على العيش اللذيذ الدائم : أخسر الخسران . فأما إذا كانت الشهوات وافدة ، واللذات مؤثرة ، والعوائد غالبة ، والطبيعة حاكمة . فالقلب حينئذ : إما أن يكون أسيرا ذليلا ، أو مهزوما مخرجا عن وطنه ومستقره الذي لا قرار له إلا فيه ، أو قتيلا ميتا وما لجرح به إيلام . وأحسن أحواله : أن يكون في حرب ، يدال له فيها مرة ، ويدال عليه مرة . فإذا مات العبد موته الطبيعي : كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النافعة ، والأعمال الصالحة ، والأحوال الفاضلة التي حصلت له بإماتة نفسه . فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإرادي في هذه الدار . وهذا موضع لا يفهمه إلا ألبّاء الناس وعقلاؤهم . ولا يعمل بمقتضاه إلا أهل الهمم العلية ، والنفوس الزكية الأبية . المرتبة السابعة من مراتب الحياة : حياة الأخلاق ، والصفات المحمودة ، التي هي حياة راسخة للموصوف بها . فهو لا يتكلف الترقي في درجات الكمال . ولا يشق عليه . لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك ، بحيث لو فارقه ذلك لفارق ما هو من طبيعته وسجيته . فحياة من قد طبع على الحياء والعفة والجود والسخاء ، والمروءة والصدق والوفاء ونحوها : أتم من حياة من يقهر نفسه ، ويغالب طبعه ، حتى يكون كذلك . فإن هذا بمنزلة من تعارضه أسباب الداء وهو يعالجها ويقهرها بأضدادها . وذلك بمنزلة من قد عوفي من ذلك . وكلما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكمل كانت حياته أقوى وأتم . ولهذا كان خلق « الحياء » مشتقا من « الحياة » اسما وحقيقة . فأكمل الناس حياة : أكملهم حياء . ونقصان حياء المرء من نقصان حياته . فإن الروح إذا ماتت لم تحس بما يؤلمها من القبائح . فلا تستحيي منها ، فإذا كانت صحيحة الحياة أحست بذلك ، فاستحيت منه . وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة ، والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة ، وضدها من نقصان الحياة ، ولهذا كانت حياة الشجاع أكمل من حياة الجبان ، وحياة السخي أكمل من حياة البخيل ، وحياة الفطن الذكي أكمل من حياة الفدم البليد ، ولهذا لما كان الأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - أكمل الناس حياة حتى إن قوة حياتهم تمنع الأرض أن تبلي أجسامهم - كانوا أكمل الناس في هذه الأخلاق . ثم الأمثل فالأمثل من أتباعهم . فانظر الآن إلى حياة حلّاف مهين همّاز مشّاء بنميم ، مناع للخير معتد أثيم ، عتلّ بعد ذلك زنيم . وحياة جواد شجاع ، برّ عادل عفيف محسن - تجد الأول ميتا بالنسبة إلى الثاني . وللّه در القائل :
وما للمرء خير في حياة * إذا ما عدّ من سقط المتاع
المرتبة الثامنة من مراتب الحياة : حياة الفرح والسرور ، وقرة العين باللّه ، وهذه الحياة إنما تكون بعد الظفر بالمطلوب ، الذي تقرّ به عين طالبه ، فلا حياة نافعة له بدونه ، وحول هذه الحياة