تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 812

مساهمون:

ص٨١٢
الطلب ، وفتور الهمة : إما من نقصان الشعور والإحساس ، وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة . فقوة الشعور ، وقوة الإرادة : دليل على قوة الحياة . وضعفهما دليل على ضعفها . وكما أن علو الهمة ، وصدق الإرادة ، والطلب من كمال الحياة : فهو سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها . فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية ، والمحبة الصادقة ، والإرادة الخالصة . فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة . وأخسّ الناس حياة أخسهم همة . وأضعفهم محبة وطلبا ، وحياة البهائم خير من حياته . كما قيل :
نهارك ، يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والرّدى لك لازم وتكدح فيما سوف تنكر غبّه * كذلك في الدنيا تعيش البهائم تسرّ بما يفنى . وتفرح بالمنى * كما غرّ باللذات - في النوم - حالم
والمقصود : أن حياة القلب بالعلم والإرادة والهمة . والناس إذا شاهدوا ذلك من الرجل . قالوا : هو حيّ القلب ، وحياة القلب بدوام الذكر ، وترك الذنوب ، كما قال عبد اللّه بن المبارك . رحمه اللّه :
رأيت الذنوب تميت القلوب * وقد يورث الذلّ إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها وهل أفسد الدين إلا الملو * ك ، وأحبار سوء ورهبانها ؟ وباعوا النفوس ، ولم يربحوا * ولم يغل في البيع أثمانها فقد رتع القوم في جيفة * يبين لذي اللب خسرانها
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : من واظب على « يا حي يا قيوم . لا إله إلا أنت » كل يوم - بين سنة الفجر وصلاة الفجر - أربعين مرة . أحيى اللّه بها قلبه . وكما أن اللّه سبحانه جعل حياة البدن بالطعام والشراب ، فحياة القلب : بدوام الذكر ، والإنابة إلى اللّه ، وترك الذنوب ، والغفلة الجاثمة على القلب . والتعلق بالرذائل والشهوات المنقطعة عن قريب يضعف هذه الحياة . ولا يزال الضعف يتوالى عليه حتى يموت . وعلامة موته : أنه لا يعرف معروفا . ولا ينكر منكرا . كما قال عبد اللّه بن مسعود « أتدرون من ميت القلب ، الذي قيل فيه :
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميّت ميت الأحياء ؟
قالوا : ومن هو ؟ قال الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا » . والرجل : هو الذي يخاف موت قلبه ، لا موت بدنه . إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم ، ولا يبالون بموت قلوبهم . ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعية . وذلك من موت القلب والروح . فإن هذه الحياة الطبيعية شبيهة بالظل الزائل ، والنبات السريع الجفاف ، والمنام الذي يخيل كأنه حقيقة . فإذا استيقظ عرف أنه كان خيالا . كما قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه « لو أن الحياة الدنيا - من أولها إلى آخرها - أوتيها رجل واحد . ثم جاءه الموت : لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسرّه ، ثم استيقظ ، فإذا ليس في يده شيء » وقد قيل « إن الموت موتان : موت إرادي ، وموت طبيعي . فمن أمات نفسه موتا إراديا كان موته الطبيعي حياة له »