تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين — صفحة 811

مساهمون:

ص٨١١
وكذلك الأرواح إذا تخلصت من هذه الأبدان ، وتجردت : صار لها حياة أخرى أكمل من هذه إن كانت سعيدة . وإن كانت شقية : كانت عاملة ناصبة في العذاب . المرتبة الخامسة : الحياة التي أشار إليها المصنف . وهي « حياة العلم من موت الجهل » فإن الجهل موت لأصحابه . كما قيل :
وفي الجهل - قبل الموت - موت لأهله * وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم * فليس لهم حتى النّشور نشور
فإن الجاهل ميت القلب والروح ، وإن كان حي البدن فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض . قال اللّه تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها
[ الأنعام : 122 ] وقال تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 ) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ
( 70 ) [ يس : 69 ، 70 ] وقال تعالى :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ
[ النمل : 80 ] وقال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
[ فاطر : 22 ] وشبههم - في موت قلوبهم - بأهل القبور . فإنهم قد ماتت أرواحهم . وصارت أجسامهم قبورا لها . فكما أنه لا يسمع أصحاب القبور ، كذلك لا يسمع هؤلاء ، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة ، وملزومهما ، فهذه القلوب لما لم تحس بالعلم والإيمان ، ولم تتحرك له : كانت ميتة حقيقة . وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن ، بل ذلك موت القلب والروح . وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب « الزهد » من كلام لقمان ، أنه قال لابنه : « يا بني جالس العلماء ، وزاحمهم بركبتيك . فإن اللّه يحيي القلوب بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض بوابل القطر » وقال معاذ بن جبل « تعلموا العلم . فإن تعلمه للّه خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة . لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبل أهل الجنة . وهو الأنيس في الوحشة ، والصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والزين عند الأخلّاء . يرفع اللّه به أقواما ، فيجعلهم في الخير قادة ، وأئمة تقتصّ آثارهم ، ويقتدى بأفعالهم ، وينتهى إلى رأيهم . ترغب الملائكة في خلّتهم ، وبأجنحتها تمسحهم . يستغفر لهم كل رطب ويابس ، وحيتان البحر وهوامّه ، وسباع البر وأنعامه لأن العلم حياة القلوب من الجهل ، ومصابيح الأبصار من الظّلم . يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار ، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة . التفكر فيه يعدل الصيام ، ومدارسته تعدل القيام ، به توصل الأرحام ، وبه يعرف الحلال من الحرام ، وهو إمام العمل ، والعمل تابع له ، يلهمه السعداء . ويحرمه الأشقياء » رواه الطبراني وابن عبد البر وغيرهما . وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . والوقف أصح . والمقصود : قوله « لأن العلم حياة القلوب من الجهل » فالقلب ميت . وحياته بالعلم والإيمان . المرتبة السادسة : حياة الإرادة والهمة . وضعف الإرادة ، والطلب : من ضعف حياة القلب ، وكلما كان القلب أتم حياة ، كانت همته أعلى ، وإرادته ومحبته أقوى ، فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب . وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته . فضعف