مراتب الحياة
قال صاحب المنازل : « الحياة في هذا الباب : يشار بها إلى ثلاثة أشياء . الحياة الأولى :
حياة العلم من موت الجهل ، ولها ثلاثة أنفاس : نفس الخوف ، ونفس الرجاء . ونفس المحبة » .
قوله « الحياة في هذا الباب » يريد : الحياة الخاصة التي يتكلم عليها القوم دون الحياة العامة المشتركة بين الحيوان كله ، بل بين الحيوان والنبات . وللحياة مراتب . ونحن نشير إليها :
المرتبة الأولى : حياة الأرض بالنبات . قال تعالى :
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
[ النّحل : 65 ] وقال في الماء
وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ
[ ق : 11 ] وقال :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
[ الفرقان : 48 ، 49 ] وجعل هذه الحياة دليلا على الحياة يوم المعاد ، وهذه حياة حقيقة في هذه المرتبة ، مستعملة في كل لغة ، جارية على ألسن الخاصة والعامة . قال الشاعر يمدح عبد المطلب :
بشيبة الحمد أحيا اللّه بلدتنا * لمّا فقدنا الحيا ، واجلوّز المطر
وهذا أكثر من أن نذكر شواهده .
المرتبة الثانية : حياة النمو والاغتذاء . وهذه الحياة مشتركة بين النبات والحيوان الذي يعيش بالغذاء . قال اللّه تعالى :
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
[ الأنبياء : 30 ] .
وقد اختلف الفقهاء في الشعور : هل تحلها الحياة ؟ على قولين . والصواب : أنها تحلها حياة النمو والغذاء ، دون الحس والحركة . ولهذا لا تنجس بالموت ، إذ لو أوجب لها فراق النمو والاغتذاء النجاسة : لنجس الزرع والشجر لمفارقته هذه الحياة له ، ولهذا كان الجمهور على أن الشعور لا تنجس بالموت « 1 » .
المرتبة الثالثة : حياة الحيوان المغتذي بقدر زائد على نموه واغتذائه . وهي إحساسه وحركته ، ولهذا يألم بورود الكيفيات المؤلمة عليه ، وبتفرق الاتصال ، ونحو ذلك ، وهذه الحياة فوق حياة النبات . وهذه الحياة تقوى وتضعف في الحيوان الواحد بحسب أحواله ، فحياته بعد الولادة : أكمل منها وهو جنين في بطن أمه . وحياته وهو صحيح معافى : أكمل منها وهو سقيم عليل .
فنفس هذه الحياة تتفاوت تفاوتا عظيما في محالها . فحياة الحية أكمل من حياة البعوضة .
ومن قال غير هذا فقد كابر الحس والعقل .
المرتبة الرابعة : حياة الحيوان الذي لا يغتذي بالطعام والشراب . كحياة الملائكة ، وحياة الأرواح بعد مفارقتها لأبدانها . فإن حياتها أكمل من حياة الحيوان المغتذي . ولهذا لا يلحقها كلال ولا فتور ، ولا نوم ولا إعياء . قال تعالى :
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
[ الأنبياء : 20 ]
هامش
( 1 ) بهامش مطبوعة المنار ما نصه : وافق الفقهاء على فلسفتهم في علة النجاسة والصواب : أن النجاسة إنما تحصل بالتعفن والنتن في المركبات ذات الرطوبة التي تتولد فيها الديدان الخفية والظاهرة . وليس ذلك خاصا بالأجسام ذات الشعور والحركة بالإرادة .
فإن قيل : إن ما ذكرت هو القذر الحقيقي الجدير بأن يسمى نجاسة في اللغة . وهم يعنون النجاسة الشرعية .
أقول : لا نص في الكتاب والسنة على أن فقد الحس والحركة هو علة النجاسة أو من عللها .