باب الحياة
قال صاحب المنازل :
« ( باب الحياة ) قال اللّه تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] » .
استشهاده بهذه الآية في هذا الباب ظاهر جدا . فإن المراد بها : من كان ميت القلب ، بعدم روح العلم والهدى والإيمان . فأحياه الرب تعالى بروح أخرى ، غير الروح التي أحيا بها بدنه .
وهي روح معرفته وتوحيده ، ومحبته وعبادته وحده لا شريك له . إذ لا حياة للروح إلا بذلك .
وإلا فهي في جملة الأموات . ولهذا وصف اللّه تعالى من عدم ذلك بالموت ، فقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] وقال تعالى :
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ
[ الرّوم : 52 ] وسمي وحيه روحا . لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح . فقال تعالى :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشّورى :
52 ] فأخبر : أنه « روح » تحصل به الحياة ، وأنه « نور » تحصل به الإضاءة . وقال تعالى :
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ
[ النّحل : 2 ] وقال تعالى :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ
[ غافر : 15 ] فالوحي حياة الروح ، كما أن الروح حياة البدن ، ولهذا من فقد هذه الروح : فقد فقد الحياة النافعة في الدنيا والآخرة . أما في الدنيا : فحياته حياة البهائم ، وله المعيشة الضنك . وأما في الآخرة : فله جهنم ، لا يموت فيها ولا يحيا .
وقد جعل اللّه الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته . فقال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النّحل : 97 ] وقد فسرت « الحياة الطيبة » بالقناعة والرضى ، والرزق الحسن وغير ذلك . والصواب : أنها حياة القلب ونعيمه ، وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة اللّه ، ومحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها ، ولا نعيم فوق نعيمه ، إلا نعيم الجنة ، كما كان بعض العارفين يقول : إنه لتمرّ بي أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب . وقال غيره : إنه ليمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربا .
وإذا كانت حياة القلب حياة طيبة تبعته حياة الجوارح ، فإنه ملكها . ولهذا جعل اللّه المعيشة الضّنك لمن أعرض عن ذكره ، وهي عكس الحياة الطيبة .
وهذه الحياة الطيبة تكون في الدور الثلاث . أعني : دار الدنيا ، ودار البرزخ ، ودار القرار .
والمعيشة الضنك أيضا تكون في الدور الثلاث . فالأبرار في النعيم هنا وهنالك ، والفجار في الجحيم هنا وهنالك ، قال اللّه تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
[ النّحل : 30 ] وقال تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
[ هود : 3 ] فذكر اللّه سبحانه وتعالى ، ومحبته وطاعته ، والإقبال عليه : ضامن لأطيب الحياة في الدنيا والآخرة . والإعراض عنه والغفلة ومعصيته : كفيل بالحياة المنغصة ، والمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة .