الناس - من أهل الإلحاد - القائلين : إن الأرواح تفنى بفناء الأبدان ، لكونها قوة من قواها ، وعرضا من أعراضها .
وهؤلاء قسمان . أحدهما : منكر لمعاد الأبدان . والثاني : من يقر بمعاد الأبدان ، ويقول :
إن اللّه عز وجل يعيد قوى البدن وأعراضه . ومنها : الروح . فتفنى بفناء البدن . فليس عند الطائفتين روح قائمة بنفسها . تساكن البدن وتفارقه . وتتصل به وتنفصل عنه .
وأما الحق الذي اتفقت عليه الرسل وأتباعهم : فهو أن هذه الأرواح باقية بعد مفارقة أبدانها . لا تفنى ولا تعدم ، وأنها منعّمة أو معذبة في البرزخ . فإذا كان يوم المعاد ردّت إلى أبدانها . فتنعم معها أو تعذب . ولا تعدم ولا تفنى .
فقوله : « والأرواح إنما طهرت وأكرمت بالبقاء لتعاين سنا الحضرة » يريد : الأرواح الطاهرة الزكية . وفي نسخة « لتناغي سنا الحضرة » والأول أظهر ، وألصق بالباب الذي ترجمه بباب المعاينة . والمراد بالحضرة : الحضرة الإلهية . و « بالسّنا » النور الذي يلمع . قال اللّه تعالى :
يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
[ النّور : 43 ] ومعاينة ذلك : إنما هو في الدار الآخرة . والمعاين ههنا : هو نور المعرفة والمثال العلمي .
قوله « ويشاهد بهاء العزة » « البهاء » في اللغة : الحسن ، قاله الجوهري . يقال منه : بهى الرجل - بالكسر - وبهو أيضا . فهو بهي .
و « العزة » يراد بها ثلاثة معان : عزة القوة . وعزة الامتناع . وعزة القهر . والرب تبارك وتعالى له العزة التامة بالاعتبارات الثلاث . ويقال من الأول : عزّ يعزّ - بفتح العين - في المستقبل . ومن الثاني ؛ عزّ يعز - بكسرها - ومن الثالث : عزّ يعزّ - بضمها - أعطوا أقوى الحركات لأقوى المعاني ، وأخفها لأخفها . وأوسطها لأوسطها . وهذه « العزة » مستلزمة للوحدانية . إذ الشركة تنقص العزة . ومستلزمة لصفات الكمال . لأن الشركة تنافي كمال العزة .
ومستلزمة لنفي أضدادها ، ومستلزمة لنفي مماثلة غيره له في شيء منها .
فالروح تعاين - بقوة معرفتها وإيمانها - بهاء العزة وجلالها وعظمتها . وهذه المعاينة هي نتيجة العقيدة الصحيحة المطابقة للحق في نفس الأمر ، المتلقاة من مشكاة الوحي . فلا يطمع فيها واقف مع أقيسة المتفلسفين ، وجدل المتكلمين ، وخيالات المتصوفين .
قوله « وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة » هو بكسر الفاء ، أي جانب الحضرة ، يعني : أن الأرواح - لقوة طلبها ، وشدة شوقها - تسوق القلوب وتجذبها إلى هناك . فإن طلب الروح وسيرها أقوى من طلب القلب وسيره . كما كانت معاينتها أتم من معاينته .
وبالجملة : فأحكام الروح - عندهم - فوق أحكام القلب ، وأخص منها .
والمقصود : أن الروح متى عاينت الحق جذبت القوى كلها والقلب إلى حضرته . فينقاد معها انقيادا بلا استعصاء ، بخلاف جذب القلب . فإن الجوارح قد تستعصي عليه بعض الاستعصاء . وتأبى شيئا من الإباء . وأما جذب الروح : فلا استعصاء معه ولا إباء . وباللّه التوفيق .